بعد أن جدّدت أكثرية الشعب اللبناني خيارها في عشقها
للحياة والتقدم والارتقاء ورفضها ثقافة الموت والدمار والتعطيل.
فلو كنتُ لبنانيا أكثريا، لصرفتُ معاش الأستاذ نبيه برّي
التقاعدي كرئيس للمجلس النيابي، بعد حسم الفترة التي أغلق فيها المجلس، وذلك لقاء
خدمات كل تلك السنين الطويلة، ودعوته إلى عدم المؤاخذة، كون "مَن يجرِّب
المجرَّب يكون عقله مخرّبا!".
ولو كنتُ لبنانيا أكثريا، لشكّلتُ حكومة يكون أول بند في
بيانها: الدولة صاحبة الحق الحصري بامتلاك السلاح، ولها وحدها السلطة في قرار
الحرب والسلم.
ولو كنتُ لبنانيا أكثريا، طلبتُ مِن الفريق الخاسر، إما
البقاء خارج السلطة والقيام بدوره كمعارضة فعلية حتى يحين موعد الانتخابات
المقبلة، وإما الانضمام إلى الحكومة ونزع صفة المعارضة عن نفسها، وذلك مِن دون أي
حقّ ضامن أو معطّل.
ولو كنتُ لبنانيا أكثريا، لضمّنتُ البيان الوزاري بنداً
توقّع عليه الأقلية وتلتزم به حال تقديم استقالة وزرائها، فإن الحكومة لا تفقد
شرعيتها وميثاقيتها، وأنه يحق لرئيس الحكومة اختيار وزراء آخرين عوضا عنهم، فليسَ
هناك أكثر مِن الكفاءات والأَشراف في الطائفة الشيعية الكريمة.
اتفاقية
فصل القوات الموقعة بينهما عام أربعة وسبعين، التي أعقبت المحاولة الفاشلة في حرب
تشرين لتحرير الجولان، أبقت لسوريا في ذمة إسرائيل ما مجموعه 1250 كم2 وبضعة آلاف
من المواطنين، يتركزون على خمسة بالمئة من مساحة الهضبة السورية المحتلة.
بعد أن
أصبح الاحتلال أمرا واقعا، كانت قناة الاتصال التي تربط أهالي الجولان المحتل
بأسرهم المشتتة على الجانب الآخر لخط وقف النار تتمثل بخيمة صغيرة في المنطقة
المعزولة السلاح التي ترعاها قوات "الأوندوف" التابعة للأمم المتحدة العاملة
في الجولان، بعد ضرب طوق من الأسلاك الشائكة المكهربة وحقول الألغام بين قرى
الجولان المحتل وامتدادها السوري.
أن تعمد سلطة محتلة إلى القمع والقهر أو الظلم، فذلك ليس
بالأمر المُستهجَن. فعادة الاحتلال، حيث انوجد، ممارسة كل ما هو لاشرعي ولاأخلاقي؛
وإلا، وجبَ التنقيب في معاجم اللغة عن مرادفة له لا تحمل تلك القيم.
ما تلجأ إليه السلطات المحتلة مِن أساليب منافية لشرعة
حقوق الإنسان والأعراف والمواثيق الدولية بحقّ الشعوب المحتلة، لم يكن بالمطلق مرادفا
لنهج تلك السلطات في تعاملها داخل أوطانها ومع شعوبها. فإذا ما أخذنا الاحتلالين،
الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسورية، أو الأميركي للعراق، نرى تضاربا واضحا
بين مسلكية تيتك السلطتين داخل حدودهما وبين ما تنتهجانه بحق الشعوب التي تحتل
أراضيها بالقوة.
ما لقيصر سنتركه لقيصر؛ فهمّنا ليس تحليل الـData base ولا الأدلة والقرائن
وإفادات الشهود التي صارت في عهدة المحكمة الدولية. فثلاثة مِن أكفأ المحققين
الدوليين، تعاقبوا على اللجنة، وجيش كامل يعدّ بالمئات من مفتشي الأمم المتحدة
وخبرائها ومحلليها كفيلون بإيصال سفينة التحقيق إلى بر الأمان.
موضوع مقالنا، يتمحور برمّته حول جملة من المحطات التي
طبعت تلك الفترة التي مهدت لاغتيال الحريري وحتى وقتنا الراهن، مع ما رافق ذلك من
أحداث، لا سيما على المسرحين اللبناني والسوري.
الهدف، هو محاولة لترتيب الأحداث ووضعها في سياق منطقي،
عبر تسليط الضوء على جملة من المعطيات والوقائع التي كرّست نفسها في السنوات
المنصرمة، ما يساعد على رسم صورة تقريبية لما سوف ترسو الأمور عليه في المقبل من
الأشهر أو السنوات.
لم يسبق أن توفّر للأسماء المستعارة أو المموّهة تربة
أخصب مِن شبكة الإنترنت، حتى تُحقّق هذا الانتشار الهائل، وتصبح مادة للاستهلاك
اليومي كما في وقتنا الراهن.
الأسماء المستعارة، بضاعة لم يعد وجودها يقتصر على مواقع
الإنترنت العادية، بل أصبحت ركنا ثابتا في الكثير مِن كبرى الجرائد العالمية
ومواقع الفضائيات والإدارات والمؤسسات على اختلاف أنواعها.
انتشار وسائل الإعلام وضخامة أعداد روّادها الموزّعين في
أربع جهات الأرض، جعل مِن الصعب، إن لم نقل المستحيل ضبط إيقاعها وتنظيم ردود
المتداخلين فيها. كما أنّ اعتبارات تلك الوسائل الترويجية أو التسويقية جعلها تغضّ
الطرف عن بعض القيود التي تلزم المتداخلين على الولوج بأسمائهم الشخصية أو
الالتزام بمعايير محددة، إضافة إلى استحالة ذلك وعدم جدواه مِن الأساس، وفق
حساباتها، على اعتبار أنه ليس بالضرورة أن يكون روّاد تلك المواقع مِن ذات الحيّز
الجغرافي، وبالتالي تسقط القيمة الفعلية لذكر أسمائهم الحقيقية.
ليس غريباً بعد عقود طويلة من حكم الشعوب بالصرامي أن
تصبح لغة التعبير المفضّلة عند البعض هي لغة الصرماية القديمة، وأن تحظى حادثة "بوش
وصرماية الصحافي الغاضب" بكل هذا الانتباه الذي حظيت به في وسائل إعلامنا
العتيد، وبعد أن جعلنا من جلودنا مداساً لحكامنا على مر السنين، فليس من المستغرب
أبداً أن تنشأ لدينا حالة من الألفة مع الصرامي، وليس من المستغرب على الإطلاق أن تترقى
وسائلنا في التعبير عن مشاعرنا مستقبلاً فنلجأ لرمي الجوارب الرطبة مثلاً، أو عفن ما بين
أصابعنا الدائمة التسلّخ، للتعبير عن مكنونات نفوسنا المتفسّخة يأساً وطمعاً.
بحسب معايير العزة والكرامة والصمود والتصدي والشرف
الرفيع، لم يسبق لأي قائد عسكري عربي أن حظي بالمكانة والاعتبار اللذين حازهما
حذاء منتظر الزبيدي؛ هذه الصرماية التي شَغلت بال الملايين، وأزهِق ما لا يحصى من
صفحات الجرائد وساعات البث التلفزيوني على بعض الفضائيات العربية تمجيدا بها،
لدرجة وصل الأمر بأحدهم حدّ وصفها بأنها لم تستعد شرف الأمة العربية وحسب، بل
الإسلامية أيضا.
مثير أمر هذه الصرماية وما لها مِن قدرات، عجزت جحافل
جيوش العرب وقادتها وما بحوزتها مِن تراسانات عسكرية منذ نصف قرن ويزيد عن استعادة
حقوقهم المغتصبة وكرامتهم، لتأتي صرماية وتفعل كل ذلك برمشة عين، ولتأخذ للعرب
بثأرهم وتعيد توازنهم الأخلاقي والإستراتيجي مع الأعداء، فنِعم الصرامي؟
بين
ثورة مارتن لوثر كينج ستّينات القرن المنصرم وانتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود،
تكون الولايات المتحدة حققت إنجازا عظيما في زمن قياسي لا يُحسب بعمر الحضارات والأمم.
إنجاز يحق للأميركيين شرب نخبه عن حق وجدارة، ولا يسع معه عين المراقب العربي إلا أن
تضيق حسدا وغيرة.
معظم
مقدمي البرامج والضيوف الذين زخرت بهم الشاشات الأميركية أمس، أقرّوا أنهم لم يعهدوا
هذه المظاهر الاحتفالية من قبل. كان المشهد في ساحات أميركا وشوارعها قريبا إلى حد
كبير من حلقات الدبكة والرقص الشعبي والأهازيج التي تنطلق في عواصم الدول العربية ومدنها
وقراها بعد كل تجديد بيعة لواحد من أباطرة تلك الدول! مع فارق أن ذلك لم يتم تحت حراب
أجهزة المخابرات وتهديد المواطنين بقطع الأعناق والأرزاق؛ ولا تم سحب الموظفين وكوادر
المشافي المزودّين بالأبر الطبّية لثقب أصابع المستفتين للبصم بالدم للزعيم كما بالروح!
خاص ثروة
تعيش في سفوح جبل الشيخ نبتة يسمّيها أهالي تلك المنطقة
"قف الحمار"؛ وأهمّ خصائص تلك العشبة الضارة التي لا ترتفع عن الأرض إلا
بضعة سنتيمترات أنها لا تطيق لكزة من أحد أو لمسة؛ وإلا تراها تنفجر كالقذيفة،
مسبّبة حساسية حيث لامست أحشاؤها المتطايرة جسم الإنسان، إضافة إلى الرائحة النتنة
التي تنبعث منها.
وفي موضوع متصل بـ"قف الحمار" هذا، يشيع بين
الناس القول التالي، لمن لا يطيق النقد الموجّه إليه أو أي نوع من الاحتكاك مع
الآخرين: "شو باك يا أبو فلان مثل بيضة البرُشت؟".
خاص ثروة
ليس الخلاف على مشروعية مصالح روسيا الحيوية في جورجيا
من عدمها، ولا على هشاشة المنطق الأميركي وضعف حجّته، هذا إن لم نقل لاأخلاقيته في
إدانة التصرف الروسي؛ فعلى علّات الروس، وما أكثرها؛ يبقى لموسكو مصالح حيوية في
جورجيا المجاورة أكثر ما لأميركا في العراق!
ولا هو في ذات الوقت، على وقوف أطراف إقليمية أو دولية
مع هذا القطب أو ذاك. فعادة الدول التي تتحكم بها المصالح وصراعات الاستقطاب، لم
تشذ عن ذلك العرف عبر التاريخ والأزمان. لكن مكمن الخلاف وما يثير الاستغراب
والريبة هو مسارعة نظام بحجم ذاك الحاكم في سوريا، التي يقارب مَن يرزح تحت نير
الفقر نصف سكانها، للدخول إلى حلبة صراع تفوق بحجمها ومفاعيلها المنتظرة قدرة دولة
مخلخلة الأركان مثل سوريا، عبر تأييد الخطوة الروسية وتوقيع عقود أسلحة، لم تتحرك
من مخازنها منذ عقود إلا لقمع الشعب السوري؛ وإبداء الاستعداد لوضع الدولة متراسا
أماميا، لا ناقة لها فيه ولا جمل، في وجه قوى عظمى، فيما هي أكثر ما تحتاج إليه
رغيف الخبز.
الأغرب من هذا وذاك، هو استغباء رأس النظام للرأي العام
والاستهانة بوعيه، عبر إسقاطه الوضع الروسي-الجورجي على الحالة السورية-اللبنانية
من دون أن يرفّ له جفن؛ ما يوجب وضع النقاط على الحروف والوقوف عند بعض البدهيات
والوقائع.