من
الصعوبة بمكان أن يقتنع شخص ما يعيش تطور القرن الواحد والعشرين، أن شعبا يعيش على
بحار من النفط ويمتلك مخزونا عالميا من الغاز، ويطل على أهم المنافذ البحرية في
العالم ويقع على منطقة بحرية تؤهله ليتحول إلى أهم وسيط عالمي في التجارة الحرة،
ومع ذلك فلا يزال يعاني سكانه من سيطرة رجال القبائل الذين يمتلكون سجونا خاصة،
بعيدا عن عين القانون.
ولربما صار من اللازم في هذا الظرف بالذات أن ينتبه العالم
إلى أن هناك بلادا اسمها اليمن متخلفة ومتأخرة عن ركب العالم بمئات السنين، وأن
النظام هنا يكرس التخلف بكل إمكانيات الدولة ويعمل على مخادعة كل الأطراف التي
يتعامل معها في العالم، وينتج ويصدر الإرهاب بأشكال وأدوات متعددة، منها تكريس
الطبقية الاجتماعية ودعم الطبقة المهيمنة على حساب الطبقات المسحوقة، وإعادة صنع
هيبة "المشائخ" لاستخدامهم في الحروب الشخصية والمواجهات الهامشية.
وموضوع
هذا البحث هو "السجون الخاصة" التي يتملكها المشائخ والمسئولون، ويقبع
فيها المواطنون لفترات طويلة ويموتون فيها أحيانا.. كثيرون من البشر يحصلون على
حياة سيئة وتصادف ظروفهم وجودهم تحت سيطرة أشخاص سيئين يعملون على استعبادهم. وإن
تخيلنا أن هذه المشكلات قد تخلص منها العالم حين قضى على الإتجار بالبشر، إلا أن
حجم المأساة يتضح عندما نعرف أن هناك بشرا يعملون بالزراعة وأعمال بدائية حرفية
مجانا، ويتعرضون فوق ذلك للإهانة والسجن والقتل دون أن ينالوا نصيبا من حقهم
كمواطنين أو كبشر، مما يحدو بالكثير منهمإلى الانضمام إلى جماعات إرهابية كالذين انضموا وينضمون إلى القاعدة أو
الجهاد أو السلفيين وخلايا القاعدة النائمة وفتح الإسلام، والذين يفجرون أنفسهم في
العراق، والذين يقومون بتهريب الأسلحة إلى العراق أيضا، والذين ينتقلون للمناطق
الأكثر سخونة في العالم للعمل في مهام خطرة كقيادة سيارات تابعة لجماعات إرهابية، والبعض
الآخر يسلك طريق الانحراف السلوكي كعصابات شوارع المدينة القادمة من القرى.
كل هولاء
هم ضحايا بشكل أو بآخر للتركيبة الاجتماعية التي يعد المشائخ العامل الأكبر في
تشكل صورة النتائج الأساسية لمثل هذه المخرجات السلبية التي تؤثر بشكل عام على
الصورة العامة لنمط الحياةفي مجتمع مركب
من مجتمع مدني ناشئ وقبلي متحول ومتدين و...إلخ. وما زال يحتفظ بخصوصية الثنائية
اللزجة بين الريف والمدينة، ولا يزال فيها التمييز وعدم المساواة، ويغيب عنها مبدأ
سيادة القانون ودولة المؤسسات. وبرغم حضارتها وثقافتها المتأصلة، إلا أنه تنتشر
فيها سجون بأنواع متعددة، حيث نرى أن السجون العقابية وسجون مراكز الشرطة الرسمية
التابعة جميعها للدولة تعجَ بالسجناء، ولم تكتف بهذه السجون فقط بل هناك سجون
تابعة للجهات الرسمية، وهي الوزارات الخدمية وفروعها ومكاتبها في المناطق والمدن
اليمنية مثل وزارة الأوقاف، والتي يعاقب ويحبس فيها من يخالف الإجراءات الخاصة
بتلك الوزارة أو هذه المؤسسة بعيدا عن القانون المثالي الذي يحمي حرية المواطن
ويقدسها، أيضا ويمنع الاعتداء عليها، حيث يعتبر القانون اليمني متقدما جدا من حيث
النصوص، إلا أنه يفرغ من محتواه عند التطبيق، وأحيانا يفسره القائمون عليه بطرق
خاطئة دعما لمصالحهم الشخصية، وهو ماحدث في قضية حمدان درسي التي حكم فيها على
المجني عليه بإحالته للقضاء رغم ثبات موقف الشهود الذين أحيلوا هم أيضا للتحقيق.
أما النوع
الرابع من السجون، وهو السجون الخاصة التابعة للمشائخ في القبائل في المناطق
الريفية والقبلية والمدن البعيدة غير الرئيسية - وهو محور حديثنا- والتي يحبس فيها
من يأمر به الشيخ، يكون السجين رهينة لقضايا وخلافات بين القبائل والجماعات، ويكون
أحيانا سجينا حتى يخضع لتحقيق رغبة ما لدى الشيخ. كما أن هناك حالات من السجن أو
تقيد الحرية تتم للضغط على أطراف النزاع لتنفيذ أحكام المشائخ التي قد تكون جائرة
أحيانا. وحرصا على المصداقية، فالعديد من المشائخ يمارسون أدوارهم بطرق إنسانية،
حيث يهتم الشيخ بعدالة الحكم ومن ثم بتنفيذه ولا يتعرض فيها السجين لمعاملة سيئة،
حيث يقوم بعض المشائخ بسجن مواطنيهم في مجالسهم الخاصة باستقبال الضيوف، وإن لم
تتوفر أماكن خاصة للاحتجاز لديهم، يتم استخدام السجون المركزية الرسمية التابعة
للدولة لوضع الرهائن فيه حتى ينتهي الموضوع، كما هو موجود في سجن صنعاء المركزي
وصعدة ومناطق أخرى، إلا أن ذلك يتم بمخالفة القانون، والتغاضي عنه يمنح حقا مماثلا
لبقية المشائخ الذين فاحت روائح ظلمهم .
كما أن سجن الأمن السياسي بصنعاء وفروعه في
المحافظات اليمنية، يقوم باعتقال أي مواطن لأسباب سياسية وبسبب الرأي وحبسه دون أي
إجراءات أو قانون، وهو يعتبر مكاناً لاعتقال الأشخاص وإخفائهم من أي مكان وفي أي
وقت.
القانون
اليمني يعطي الشيخ صفة المأمورية القضائية، لكنه لا يجيز له ممارسة أعمال الجهاز
القضائي ومصادرة دور أجهزة الدولة، بحيث يقوم بدور السلطة القضائية والتنفيذية،
وأحيانا يكون هو الخصم أيضا. وما الذي يمكن عمله إزاء هذا الواقع الذي يتجاهله
الكثير من الناس أو يخافون من مقاربته، مع أن كل أحد يعاني منه أو سيعاني منه لا
محالة؟
تكمن أهمية الدراسة، في كونها من أولى الدراسات
التي تأخذ طابع البحث العلمي الممنهج في موضوع "سجون المشائخ"، حيث حاول
الباحث جاهدا تسليط الضوء على دور النظام القلبي في الحد من امتداد المجتمع المدني
وانتشاره كثقافة وممارسة في الدولة اليمنية الحديثة وتوضيح مدى تدخل النفوذ القبلي
في التأثير على سياسات الدولة. وتأتي سجون المشائخ من العوائق المجتمعية المسكوت
عنها، حيث تعتبر من التابوهات التى يتجنب العديد من الحقوقيين ومؤسسات المجتمع
المدنى طرحها بقوة تتناسب مع حجمها كمشكلة تتعلق بحرية الفرد، وبالتالي تؤثر على
مجمل قرارات الأفراد واتجاهاتهم السلوكية. ومن الأدلة على ذلك، معاناة الباحث
أثناء تنفيذ هذا البحث التي تأتي في سياق الصعوبات التي واجهت الباحث أثناء تنفيذه
كالتالي.
1-عدم توفر وثائق أو
دراسات سابقة عن سجون القبائل، وجل ما وجده الباحث هو مقتتطفات من الصحف المحلية
أو تقارير تشير إشارات سريعة لسجون المشائخ أو مؤلفات عن القبيلة بشكل عام، لكنها
تهمل مشكلة سجون المشائخ بشكل يبدو دائم التكرار.
2-أثناء استخدام أدوات البحث
من أسئلة المقابلة/ الاستمارة، كانت هناك تخوفات أمنية من "المبحوثين"
تجاه أسئلة البحث، الأمر الذي صعب على الباحث اختيار عينة الدراسة.
3-تراجع عدد من المبحوثين
الذين تعرضوا للاعتقال في سجون المشائخ عن إفاداتهم نتيجة التخوفات الأمنية من
عواقب تصريحاتهم عن تجربتهم داخل سجون القبائل، ولذلك فضل الباحث ذكر أرقام عما
توصل إليه، مع احتفاظه بالأسماء والحالات واستعداده لعرض الحالات التي لا تزال
مستعدة لاستخدام حقها في مقاضاة من قاموا بجريمة تقييد حريتهم، على اعتبار أن
تقييد الحرية جريمة لا تسقط بالتقادم، ومن المهم في هذا الصدد الإشارة إلى أن حكم
محكمة بيت الفقيه في قضية حمدان درسي قد أثرت بشكل كبير على معنويات المواطنين
الذين تعرضوا للسجن في سجون المشائخ.
4-عدم وجود إحصائيات
وأرقام حقيقية لمؤسسات حكومية أو لمؤسسات أهلية عن عدد القبائل أو عن سجونها.
5-كما أن أهم عائق
واجهه الباحث أثناء البحث، كان في عدم تعاون الشركاء الذين كان يتوقع تفاعلهم مع
قضية الدراسة، حيث استمر التواصل بين الباحث وبين عدد من قيادات أحزاب معارضة
يفترض بها أن تبادر إلى طرح هذه القضية، إلا أن خمسة أشهر من الاتصالات والزيارات
لم تثمر سوى زيادة هامش الوقت الضائع.
بسبب هذه الصعوبات وغيرها، حاول الباحث إضفاء
المصداقية على بحثه من خلال تعدد استخدام أدوات البحث، لذلك قام بتصميم استمارة
تقيس حجم ظاهرة سجون المشائخ وموقف الجمهور العادي من سجون القبائل. لذلك، فقد تم
توزيع 200 استمارة على عينات عشوائية، مع مراعاة تمثيل المجتمع بشكل أكثر دقة في
العينة المبحوثة. هذا بالإضافة إلى أسئلة مقابلة لعينة من ناشطي وناشطات منظمة "هود"
وتم مقابلة 15 مبحوثا ومبحوثة أثناء تلقيهم دورة على تدريب المدربين، وتم إدراج
خلاصة آرائهم في جزء تم تخصيصه لعرض آرائهم. كما قام بتسجيل تجربتين لشابين تعرضا
للاعتقال داخل سجون المشائخ، تم عرض هاتين الحالتين، حيث راعى فيهما الباحث أن
يكونا من منطقتين مختلفتين، كما حرص الباحث على أن لا يعرض رأيه في الموضوع أو أن
يتدخل في جزئياته بما في ذلك التحليل تاركا المهمة للقارئ.