كنا في طريق العودة من محافظة تعز إلى صنعاء بعد أن حضرنا جلسة محاكمة الفنان فهد القرني، وكانت إشاعة تنقل نفسها من لسان إلى لسان بأن الرئيس سيعلن مفاجأة في ذكرى الوحدة، وكان البعض يعتقد أن المفاجأة ستكون الإفراج عن معتقلي الجنوب. وبينما الألسنة تلوك التوقعات، إذ وصلت رسالة تبلغنا بأن مجهولين أطلقوا النار على سيارة العلامة محمد مفتاح رئيس مجلس حزب الحق واقتادوه إلى مكان مجهول. وعادة ما يكون هذا المجهول معلوما بشكل منقطع النظير؛ إلا أن "المكان المجهول" أنكر وجوده لديه، فأصابني رعب الذكرى الخامسة لاغتيال الشهيد السوري العلامة محمد معشوق الخزنوي، أخفي العلامة محمد مفتاح ثمانين يوما، كانت زوجته وأولاده كل يوم يذهبون للبحث عنه فيجدون في وجوههم كلمة "مش عندنا" وعندما اعترفوا بوجوده رأته زوجته فلم تعرف منها سوى حدسها بأنه هو ولم يعرف هو عنها شيئا. كان قد بلغ الإعياء منه مبلغه بعد ثمانين يوما من الجوع والعطش والاكتفاء بأكل نوع رديء من الخبز، إضافة إلى كأس واحد من الماء الملوث كل يوم، قابلته بعد يوم واحد من الإفراج عنه ولم أعرف منه سوى بقايا من هيئته السابقة. تغيرت ملامح وجهه تماما وخسر نصف وزنه والكثير من صحته.. وثقته بالقانون وكان لي معه هذا الحوار:
بعد الإفراج عن محمد
مفتاح بيوم واحد إلى ماذا يدعوإليه محمد مفتاح؟
إلى ما كنت أدعو إليه من
قبل وهو أن تتجه القوى الفاعلةفي اليمن للتحضير والإعداد لحوار وطني شامل، يناقش
أهم القضايا التي تهم مستقبلاليمن ويكون الحوار موسعا لا يستثنى منه أي جهة
فاعلة بما فيها منظمات المجتمعالمدني من اتحادات ونقابات ومنظمات، وكذلك
الشخصيات الاعتبارية والكفاءاتالعلميةالمتخصصة. لتلمس المخرج
منتداعيات المشاكل التي تعاني منها اليمن.
بعد أن تم الإفراجعنكم هل تعتقد أن الانفراج السياسي قريب؟
الانفراج على كافة
الأصعدة في اليمن مرتبط بسلوك السلطةلأن السلطة هي المؤثرة في
الحياة العامة فهي المسيطرة على كل شي، وما دامت السلطةهي المسيطرة والمؤثرة
فالانفراج على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعيمرتبط بسلوكها، فالبلد في
تقديري تعيش حالة احتقان كاملة على مختلف الأصعدة،فالانفراج السياسي مرتبط
بسلوك السلطة، فإذا وعت بأن هناك مشكلة واعترفتبوجود المشكلة فيمكن
الحديث عن بدايةانفراج.
ما هي المشكلة منوجهة نظركم؟
المشكلة سلوكمتعجرف للغاية من السلطة
وإقصاء وتهميش لمن لم يكن في الحزب الحاكم أو لمن لا يلفويدور حول توجهات ورغبات
المتنفذين في السلطة، فإنه يقصى ويبعد ويضطهد ولو كان أكفأالناس وأقدرهم على خدمة
البلد، فليس له أي قيمة بينما المتزلف المتقرب من أصحابالنفوذ فإنه يحظى
بالامتيازات ويكلف بالمناصب ولو لم يكن يفقه فيها شيئا؛ فهذا أدىإلى
تكدس أمور الناس في أيادي المصلحيين والنفعيين وأدى إلى تفشي وتشعب الفساد،وهؤلاء
لديهم سعي للحفاظ على مواقعهم في السلطة وفي النفوذ وفي الامتيازات بالتزلفبالكثير
من الكذب، مما أدى بدوره إلى حجب الحقائق عن صانع القرار ووضع البلد فيحالة
احتقان شديد. فالبلد في وجهة نظري تعيش حالة احتقان كامل، وإنكار الراسخين فيالسلطة
لهذا الواقع ليس إلا من باب المكابرة أو الجهل بالواقع أو التعاميعنه.
قبل يوم واحد منذكرى الوحدة اليمنية اعتقل محمد مفتاح، لماذا اعتقلت؟
العجيب أن يوم الاعتقال
هو نفس اليوم الذي تم فيهالإفراج عني قبل سنتين في 21/5/2006 م، حيث تم
الإفراج عني وزميلي العلامة يحيىالديلمي بقرار رئاسي، وكأن الجهة التي وقتت
للاعتقال أرادت إيصال رسالة مفادها أنمدة الإفراج انتهت، وأن
الأصل في حياة اليمني: إما أن يكون خانعا للفساد وجامدا بلاأي حركة،وإلا سيكون مصيره
المصادرةوالسجن والقمع والإذلال. وأما لماذاالاعتقال؟ فيبدوا لي أن
الأنسب هو أن يوجه السؤال إلى من قام بالاعتقال، لأنه هوالمعني بالجواب لماذا
يعتقل الناس، أما بالنسبة لي فإني لا أدريلماذا اعتقلت إلى الآن!
لم توجه إليك تهمة؟
لا. لم توجه لي تهمة..
لأن المعروف أنه فيحال توجيه تهمة لشخص ما إن يحال المتهم إلى
النيابة بعد أن يتم إبلاغه بتهمة محددةومسببة، ولكن أثناء
التحقيقات كان من ضمن ما قيل لي أنت متهم بالتردد على بنيحشيش!! ولا أدري ما وجه
التهمة في ذلك! فبني حشيش مديرية كاملة من مديرياتالجمهورية اليمنية،
وذهابي إليها لا يختلف عن ذهابي إلى أي مكان آخر، وكل ما فيالأمر أنني حضرت في بعض
مناطق بني حشيش مناسبات عامة مثل المولد النبوي وذكرىالهجرة وغيرها، وكان
حضوري بدعوة من أهالي المنطقة وفي أماكن عامة ولقاءات مفتوحة.
وللعلم، فأنا أحضر مثل
هذه المناسبات في أي مكان، سواء في سنحان أو في الحيمة أو فيحضرموت أو في البيضاء أو
في تعز أو في الجوف أو في صعدة.. إلخ لأني اعتبر اليمنكلها بلادي وأهلها أهلي،
إلا أنه كما يبدو أن حسابات أجهزة القمع مختلفة عنحساباتنا.
كيف كانت التحقيقات؟
تعرضت لتقييد اليدين وعصب
العينين والتهديد بخلع ثيابيأثناء التحقيق!!
أثناءالتحقيق؟
نعم أثناء التحقيق.
أنت اعترضت على شيء؟
لا. قلت فقط بأنه من خلال
نوعية الأسئلة فإنني اشعر بأنهناك توجه لتلفيق تهمة وفبركة قضية لغرض سياسي كما
حصل في المرة السابقة، فردعليّأحدهم بانفعال وصوت مرتفع
ونبرةتهديد بأنه عندنا قضية جنائية "وإحنا ما نفهمش في حقكم الحركات
السياسية والمفترضنخلع ثيابك ونحقق معك بدون ثياب".
هل هناك علاقة بيناعتقالك وأحداث بني حشيش؟
الأحداث المؤسفةفي
بني حشيش سبقت الاعتقال بحوالي أسبوعين وليس لي أي صلة بها، وكل ما في الأمرأنني
كنت أزور بعض مناطق بني حشيش لحضور مناسبات عامة مثل المولد النبوي وأمسياترمضانية
في لقاءات عامة، وبدعوة من الأهالي كما أفعل ذلك في مناطقأخرى.
اليمن دولة تعترفبوجود الفساد ووقعت على اتفاقية دولية بهذا الخصوص وتسعى بمساعدة
مانحين دوليينلمحاربة الفساد. إذا
كانت اليمن تسعى لمحاربة الفساد بمساعدة دولية أين بقيةالمشكلة؟
اليمن أو بالأصحالمهيمنين
على السلطة في اليمن يتكلمون منذ عقود عن الفساد ومحاربة الفساد ومعاقبةالمفسدين
وضربهم بيد من حديد وبيد من نحاس وبيد منمنجنيز وأيادي كثيرة؛
والنتيجةلم يضرب الفساد وإنما ضربت البلد بجحافل جديدةمن
الفاسدين وبأساليب فجة وبأشكال متنوعةمن الفساد، وضرب اقتصاد
البلد وضربت الحياة المعيشية للناس وضربت الوحدةالوطنية وضربت كرامة
الناس، فالمواطن اليمني يعامل بازدراء في دول الجوار ويهان علىالحدود،
وانتشرت ظاهرة اختطاف الأطفال وتهريبهم للتسول والاستغلال البشع في دولالجوار،
وازدادت البطالة بشكل مخيف وازدادت نسبة الفقراء المدقعين بشكل يهدد بكارثةإنسانية،
فالمفترض أن المانحين يستشعرون بأن هناك مشكلة حقيقية في اليمن وخاصة فيمن
يطرح نفسه كمحارب للفساد، لأنه هو نفسه الذي انتشر الفساد في ظل وجوده في السلطةومن
غير المجدي والواقعيأن يعالج هوالمشكلة التي هو سبب أساس
من أسبابها، بل قد يأخذ الأموال لمحاربة الفساد وتصبح فيالنهاية جزءا من الفساد،
بمعنى أن يصبح في الجهة المهيأة لمحاربة الفساد فساد،لأننا للأسف تعودنا أن
يدخل الفساد في كل لجنة وفي كل مناقصة وفي كل توجه جديدوفي كل إستراتيجية، ويبدو
لي أن الفساد سيدخلبقوة في لجنة محاربة الفساد بحيث تصبح لجنة فساد.
هل تعتقد أن الصراع في
الشمال والحراك في الجنوب له آثرسلبي على مستقبل الوحدة
اليمنية؟
للأسف هو صراعواحد..
في الشمال أو في الجنوب لكن يختلف شكل الصراع وتسميته ووسيلته وأدواته،والواقع
أنني أخشى على الوحدة اليمنية كثيرا من تصرفات السلطة، لأن تصرفات السلطةأوصلت
الناس إلى أن يصبحوا فئات متعددة، فئة تشعر بالاستهداف المذهبي وفئة تشعربالاستهداف
الحزبي وفئة تشعر بالاستهداف المناطقي وفئة تشعر بالاستهداف القبلي،وأصبح
كل شخص يشعر بأن الاستهداف موجه له إما مناطقيا أو مذهبيا أو حزبيا أوقبلياأو
فئويا..، وقد وصلنا إلى مرحلة من الضيق أصبح المواطن لا يشعر بأن الدولة تحلمشكلته،
وأصبح يضيق بإجراءات الدولة ومماطلتها، فأصبح ابن تعز لكي يحرر مختطفيهيفكر
في اختطاف ابن خولان، وابن خولان يختطف ابن جبلة، وابن الجوف يختطف ابن نهموهكذا،
يعني كل منطقة ستتعصب لقبيلتها ولمنطقتها، وهذا خطر على الوحدة الوطنية.
واتذكر أنه قبل عدة أشهر
اختطف شيبه كبير من جبلة اسمه علي قاسم المتوكل عمرهفوق التسعين أو قريب
المائة وبقي في خولان عدةأشهر، تعرض خلالها لمعاملة قاسية، وحدث اختطاف عدة
مهندسينقبل فترة وحالات اختطاف متكررة ومأساوية، وهذامؤشر
خطير مفاده أن المواطن فقد الثقة في الدولة وأجهزتها التي أصبحت في نظره أداةقمع،
بل وقد لا تختلف أساليبه عن أساليبها.
هل تعتبر ما حدثلك اختطافا؟
نعمأنا اعتبر أن ما جرى لي
أسوأ اختطاف، لأنه جرىبطريقة هي أسوأ من أسلوب الاختطاف؛أنتؤخذ وتخفى وتظل زوجتي
وأطفالي لمدة ثمانين يوما يبحثون عني ويترددون على مكاتب كلالمسؤوليين المعنيين
فينكرون وجودي لديهم مع علمهم بوجودي عندهم. والمفروض علىالأقل أن يطمئنوا أهالي
المعتقل بأنه موجود بدلا من أن يذهبوا يبحثون عنه فيالمستشفيات وإدارات البحث
وبرنامج نوح الطيور. أمس الدكتورالعليمييحىذر من توقيف أعمال
اللجنةالمخصصة لإعمار صعدة بسبب ما أسماه تعنت الحوثي في الاستمرار في بناء
تحصيناتوالسيطرة على مناطق جديدة في صعدة، ما تعليقكم؟سمعت استياء لدىالكثير
ممن قابلتهم من تصريحات العليمي وأنها تصريحات غير موفقة، ويبدو أنها لاتختلف
عن تصريحاته عن المشترك أو عن المطالب الحقوقية في الجنوب أو عن أحداث صعدة،فالانطباع
لدى الكثيرين بأن تصريحاته غير موفقة للأسف.
هو يمثل وجهة نظر؟
صحيح هو يمثل وجهة نظر، لكن أحيانا الممثل قد يكون
لديهمن اللباقة والتوفيق ما يستطيع به أن يخرج وجهة نظر من يمثله بطريقة
مقبولة. ولاأخفيك بأنه اتصل بي اليوم عضوان من النواب من صعدة
ولديهما انطباعات متفائلة،وأخبراني أنهما وغيرهما من أبناء صعدة يبذلون كل
مجهود لإنهاء المشكلة واحتواء بقيةتداعياتها، فاتمنى أن يكون الجميع دعاة خير للبلد،
يكفي البلد دماء ويكفيه ما فيهمن مشاكل، والحوثي مواطن يمني، ومن معه مواطنون
يمنيون، وهذا الصراع المفترض أن يحلبحل أسبابه ومبرراته.
ما هي المبررات؟
أنا كتبت ورقة موجهة إلى
رئيس الجمهورية أوصلها إليهأحد مشائخ البيضاء قبل الحرب الأخيرة بحوالي أسبوع
تقريبا، وكانت الورقة عبارة عنرؤية لما يمكن أن يؤدي إلى تجنب الأحداث الأخيرة
ويسرع بحل المشكلة، وكان من ضمنهاأنه لا ينبغي أن تبقى بيوت الناس ومزارعهم ثكنات
للجيش والأمن، لأنه لا يعقل أنيسكن الأطفال والنساء في خيمة أو في صناديق
السيارات والشاحنات وبيوتهم عبارة عنثكنات ومتاريس.
المتداول أن الجيش
انسحب منصعدة؟
أنا اتكلم عما كانوليس
لدي معلومات مؤكدة عما حصل أثناء إخفائي في السجن، وما اتكلم عنه أنا شاهدتهبعيني،
حيث ذهبنا صعدة في جنازة السيد العلامة مجد الدين المؤيدي في رمضان العامالماضي
وشاهدت بعيني عشرات البيوت عبارة عن متاريس، حيث تم خلع شبابيك المنازل ووضعبدلها
أكياس من الطين، وفي سطوحها الأسلحة والرشاشات والجنود، وشاهدت أعدادا كبيرةمن
المواطنين يقطنون في صناديق الشاحنات وفي خيام بائسة تفتقر لأبسط مقومات الحياةالإنسانية،
ومن الصعب أن يتحمل المواطن هو وأولاده ونساؤه هذا الوضع. فاعتقد أن هذايدفع
المواطن للحقد على الدولة ومحاولة الاشتباك معها، كما أنه للحرب على مدى أربعسنوات
نتائج وتداعيات من ضمن نتائجها تدمير حياة الناس (المحلات التجارية، البيوت،المزارع،
ممتلكات الناس من سيارات وغيرها ومحتويات المنازل) وجرى عزل أعداد كبيرةمن
الموظفين عن وظائفهم وغيرها من المشاكل التي لو عولجت فإنها تنزع مبررات ودوافعالتعبئة
للصراع، لأن الذي أصبح بلا وظيفة ولا بيت ولا مزرعة ماذا ينتظر منه؟ هذايعني
بشكل تلقائي أنه يصبح مقاتلا ضد من يرى بأنه هو الذي دمر بيته والذي دمرمزرعته
والذي طرده من وظيفته...
بالنسبة للسجناءالآخرين الذين قابلتهم في السجن ما ظروف اعتقالهم أو الظروف التي
يعيشونفيها؟
للأسف، لا يسمحلأحد بمقابلة السجناء في
السجن، والذين قابلتهم هم من كانوا معي في زنزانة واحدة،لأن الإفراط في
الاعتقالات أدى إلى أن الزنزانة المخصصة لواحد "انفرادية" حسب لائحةسجن
المخابرات اضطروا لكثرة السجناء أن يدخلوا فيها شخصين وثلاثة، مع أنها مخصصةأساسا
لواحد (انفرادية) فأدخلت في زنزانة مع آخرين، وكان الذين التقيتهم فيالزنزانة
ظروفهم مشابهة لظروفي وبعضهم أسوأ من ظروفي، فمثلا شخص أتي به من المهرةوهو
أحد مشائخ خولان في صعدة يشتغل في التجارة، وضع معنا في الزنزانة، وهذا الشيخعمره
يتجاوز الستين سنة تقريبا، وبقي معنا حوالي عشرة أيام بدون أي قطعة فراش ولاحتى
مخدة أو بطانية ولا يوجد له موضع ينام فيه، وكنا نتداول النوم على فرش واحدينام
في الليل والآخر ينام في النهار، كما أتي بشاب من بني حشيش عمره حوالي ستة عشرسنة،
ومكث معنا بدون فراش لمدة يومين، واتضح لي من خلال تكرار سماع الأصوات لمدةطويلة
أن أعداد السجناء كبيرة وفيهم كبار السن مثل الوالد عبد الكريم إسحاق الذيتجاوز
التسعين سنة تقريبا، وفيهم أصحاب الحالات الخاصة مثل أصحاب الاضطراباتالنفسية
والاختلالات العقلية والمرضى والأحداث "صغار السن" مابين الـ13 و 17 سنةمثلا،
من بينهم شاب كنت أسمعه في الطارود بكثرة وسمعت اسمه بالكامل ،كان مصابا فيإحدى
رجليه ويمشي بعكاز، وهذا لا يتجاوز عمره 15 سنة، وآخرين في مثل هذا الحالاتالمتعبة
والحرجة جدا، والتي تجعل الإنسان يشعر بتأنيب ضمير إذا لم يتكلم عنهم وإذالم
يخرج قضيتهم إلى الناس وإلى المجتمع. وأدعو وأطالب السلطة باحترام النظاموالقانون
واتباع الإجراءات القانونية في القبض والتعامل مع أي مطلوب للقضاء أومطلوب
للأمن، وتكون هناك إجراءات قانونية وإبلاغ الشخص بالتهمة أثناء القبض عليهوأثناء
التحقيق وإتاحة الفرصة له للدفاع عن نفسه، إما بنفسه إذا كان قادرا وإمابواسطة
محاميه، وإتاحة الفرصة للمعتقل لمقابلة أهله ومقابلة المحامي حتى يستطيعالدفاع
عن نفسه وحتى لا يصبح ضحية تهمة كيدية. ويبدو لي أن كثيرا من القضاياالمحالة
إلى محكمة أمن الدولة "الجزائية المتخصصة" إما مبالغ فيها وإما تهم
كيديةلا أساس لها، وقد جربت التهم الكيدية بنفسي مع العلامة يحيى الديلمي،
ولا أنسىموضوع الأكل أيضا، فالأكل الذي يقدم رديئ للغاية ولا يكفي السجناء،
ومنع المعتقلينمن شراء حاجياتهم في ما يسمى بفترة التحقيق أمر في
منتهى القسوة، وفترة التحقيق هذهقد تمتد إلى سنة وأكثر، وقد تأكد لي أن أحد
الأشخاص الذين كانوا معي في نفس الطارودلم يسمح لأهله بزيارته،
ولم يسمح له بالحصول على بعض المأكولات من خارج السجن إلابعد أكثر من سنة، وبعض
السجناء لم يسمح لأهله بزيارته لأكثر من عامونصف.
هل كنت مضربا عنالطعام؟
أنا لم استطع أنآكل
من طعام السجن إلا بما يسد الرمق، وأمضيت الفترة كلها في صيام واكتفيت منالطعام
بكدمة للفطور على قليل من البطاطا التي كانت توزع كوجبة للغداء وكدمة للسحورعلى
شربة ماء من حنفية الحمام، وطرحت موضوع الإضراب كنوع من الاعتراض على بعضالمعاملات
المفرطة في القسوة خاصة عندما وضعوني في زنزانة ضيقة مع شخص مجنون جنونامطبقا،
ورغم أنه كان مقيد اليدين والرجلين إلا أنني لم استطع أثناء وجوده معي أنأصلي
ولا أنام ولا حتى أمد رجلي بسبب تهديداته بالاعتداء، وبسبب رطوبة ورائحة البولوالبراز
التي تراكمت على ملابسه لعدة أيام.
بعد الإفراج عنكمتناول خبر الإفراج عنكم أحد المواقع الإخبارية على الإنترنت بأن
محمد مفتاح يعتذرلرئيس الجمهورية وولي
الأمر.. ما تعليقكم؟
لم اطلع حقيقة على الموقع لأنه اتصلت بي عدة
مواقع،وكان من ضمن الأسئلة التي وجهت إليّ ما الذي طلب منك؟ كلمت الإخوان
الذين اتصلوا بيبأنه قبل الإفراج بحوالي أربع ساعات أصعدوني من
الزنزانة التي أقبع فيها تحت الأرضإلى الدور الثاني مقيد اليدين معصوب العينين وطلب
مني الإدلاء بمعلومات تفصيلية عنكل أسرتي (زوجتي وأولادي وإخواني ووالدي ووالدتي
رحمها الله وأقاربي وأصدقائي) وعندراستي وعن سفري خارج اليمن، وعندما كلمت الشخص
المكلف بأن بعض المطلوب لا استطيعالإدلاء به ولا ضرورة له كالإدلاء بمعلومات عن
زوجتي ووالدتي رحمها الله، فأفهمنيبأنه مكلف بتعبئة الاستمارة كاملة وأني قد أظل
مقيد اليدين ومعصوب العينين حتىيكتمل تعبئة الاستمارة. وبعد تعبئة الاستمارة فك
العصاب عن عيني لمدة دقيقة تقريبالرؤية صيغة تعهد مطبوعة جاهزة مضمونها أن السجين
يلتزم للأمن السياسي بحسن السيرةوالسلوك والابتعاد عن المخربين - الذين أنا حسب
زعمهم واحد منهم - والإبلاغ عنهموطاعة ولي الأمر فخامة الرئيس علي عبد الله صالح،
فقد يكون الموقع الذي تناولالموضوع بهذه الطريقة التبس عليه، فهم كلامي وأما
الاعتذار للرئيس أو لأي شخص فيعلمالله، ويشهد بأني لو أعلم أني أسأت بقصد أو بغير
قصد لأي إنسان فإنه لن يسعني إلاالاعتذار، ولكني حسب ما اعتقد صاحب حق ومظلومية
واطالب الرئيس بإنصافي من الأمنالسياسي، خاصة وأن الأمن السياسي يتبعون مكتبه
مباشرة، وقد تضررت أنا وأسرتيوأصدقائي نفسيا ومعنويا وماديا من التعسفات
المتكررة، والتي ليس أقلها إتلاف كميةكبيرة من الكتب والمصاحف
وترويع الأطفال بإطلاق وابل من الرصاص نحوهم، ولا أخفيكأنهم لا زالوا يحتجزون
جواز سفري منذ 2004م وبجانبه أفلام عائلية أعراس ورحلاتعائلية وكاسيتات وكتب.
كلمة أخيرة تحب توجيهها...
اتوجه بالشكر والامتنان
والتقدير لكل من تضامنوا معي من شخصيات ومنظمات وصحف وأفراد من النساء والرجال،
وفي مقدمة الجميع زوجتي الفاضلة التي تعبت كثيرا وتحملت أعباء ما كان ينبغي أن
تتحملها لولا وجود القمع والتعسف، كما اتوجه بكلمة إلى الأخ رئيس الجمهورية بأن
يعزز قراره التاريخي الحكيم والشجاع بوقف الحرب بسرعة رفع المعاناة عن أسر
المعتقلين، وسرعة إطلاق سراحهم كمبادرة حكيمة وشجاعة لكسب ثقتهم بأن الدولة
جادة بكل ما تعنيه الكلمة لإنهاء المشكلة وإنهاء كل تداعياتها ومبررات استمرارها،
والشكر بشكل شخصي وخاص للصحفي النبيل موسى النمراني.