إن ما نشاهده ونسمعه هذه الأيام في وسائل
الإعلام، من تطورات وأحداث تشهدها الساحة السورية اللبنانية على صعيد العلاقات بين
البلدين، ومسألة تبادل السفارات والعلاقات الدبلوماسية الأخرى، كان شيئاً متوقعاً بالنسبة
إلى المهتمين ومنجمي علم السياسة! خاصةً بعد فقدان النظام السوري لمجموعة الأوراق التي
كان يمتلكها على الأرض اللبنانية ووصوله إلى القناعة المباشرة التي تقول بأنه لا يستطيع
أن يسرح ويمرح أكثر من ذلك في الفضاءات اللبنانية.
ولعل انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية،
كان بداية الإدراك السوري بأن حلقات مسلسله المكسيكي في لبنان قد أوشكت على الانتهاء،
وكذلك ما أعقبه من تطورات على صعيد تشكيل الحكومة اللبنانية والاتفاقات التي توصلت
إليها الأطراف اللبنانية وخصوصاً في مدينة طرابلس الشمالية، التي طالما راهن عليها
النظام السوري، على اعتبارها كانت الورقة الأخيرة في يده!
ما يهمنا الآن، هي مرحلة ما بعد إعلان العلاقات
الدبلوماسية وما سينتج عنها من قرارات مصيرية، تؤثر على الشعبين بشكل مباشر! فالروزنامة
السياسية القادمة ستكون مختلفة تماماً عما رأيناه في السنوات الماضية، وهناك العديد
من الأمور التي سيعيد الطرفان النظر فيها، خصوصاً تلك التي طالما كانت مثار جدل وارتباك
كبيرين.
على الصعيد اللبناني، ستتغير أمور كثيرة
بالنسبة إلى كيفية التعامل مع النظام السوري، فالحكومة اللبنانية ستتعامل بشكل ندي،
بغض النظر عن كل ما قام به النظام السوري في السابق على الساحة اللبنانية! فهي، أي
الحكومة اللبنانية، مجبرة على القيام بذلك وفقاً للمعايير الدولية.
أما بالنسبة إلى القوى والأحزاب اللبنانية،
فالأمر مختلف نوعاً ما. حيث أن التعامل مع النظام السوري ليس واجباً قسرياً أو أمراً
مفروضاً، ولكن بالرغم من ذلك، قد نجد أشد الأطراف اللبنانية المعادية لسوريا، تتحول
إلى سياسة أكثر براغماتية مرنة ومتهاودة مع النظام البعثي في دمشق. وقد كانت الحقبات
التاريخية الماضية، شهدت الكثير مثلما نتحدث عنه الآن!
ولو حولنا النظر إلى الطرف الآخر، أي قوى
المعارضة اللبنانية، فربما نرى الوضع بشكل عكسي..! أي ربما نجد بعض الأطراف التي طالما
راهنت على النظام واستنجدت به في سبيل تأمين الاستقرار للبنان، بأن تقوم بفك تحالفها
مع النظام والبدء باتباع نهج مختلف تماماً في المرحلة المقبلة. ولعل "حزب الله"
يكون أول تلك الأطراف! خصوصاً بعد مجموعة التطورات التي حصلت على صعيد العلاقات بينه
وبين النظام.
أما على الجانب الآخر، ربما نجد النظام
السوري يغيّر كافة إستراتيجياته العلنية تجاه لبنان، وقد نجد سياسة جديدة ينتهجها في
هذا المنحى بالذات، على اعتباره أدرك مسبقاً ما يدور حوله... فاستمرار التحالف مع إيران
قد يكون ضرباً من المجازفة التي بدأ النظام يتجنبها في الآونة الأخيرة، وكذلك الرهان
على "حزب الله" وحماس بات شيئاً روتينياً زيادة عن اللزوم! لذلك لا بد أن
يقوم، حسب مفهومه، بتمرير خطة ذكية قد تُطيل عمره ويستفيد منها بشكل من الأشكال. فكان
الخيار اللبناني هو الأنجع والأقرب والأسرع برأيه.... لذلك كان ما كان.
ولعل فتح السفارة السورية في بيروت، يبرر
بشكل أقوى الوجود المخابراتي السوري الكثيف في لبنان، وقد يكون مبنى السفارة السورية
مركزاً شرعياً وآمناً للمخابرات السورية التي كانت ولا زالت تعيث فساداً على الأرض
اللبنانية، تماماً مثلما تدعي بعض القوى الموالية لسوريا بأن السفارة الأميركية في
بيروت، معقل للمخابرات الأميركية والاسرائيلية في لبنان!
ويبقى مصير هؤلاء المعارضين السوريين في
لبنان على كف عفريت، خاصةً بعد الموجة الإعلامية القوية التي أثيرت عنهم في الصحافة
اللبنانية في الآونة الأخيرة، وما سبقتها من أحداث.
لكننا لن نستبق الأحداث، ولندع الأيام القليلة
القادمة تثبت كلّ شيء... حينها يمكننا الوقوف أكثر جدية أمام المشهد الجديد، وربما
نستطيع أن نحلل الأشياء بطريقة أسهل جداً.
آتلانتا
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته