
لأول
مرة في تاريخ المدينة الجامعية.. الكاميرا
السورية تتسلل إلى الداخل، والأجهزة الأمنية
تتدخل
خاص ثروة
طبعاً كان المشهد عفوياً
وغريباً في الوقت نفسه، بينما جموع الطلبة
تلاحق الكاميرا أينما ذهبت والخوف والاندهاش
يملآن وجوههم، ولعل الصدفة التي جعلتنا
نتواجد هناك كانت أفضل من ألف ميعاد، إذ
تساءلنا جميعاً مستغربين عن المصورين الذين
قدموا لتصوير الواقع المعيشي والسكني على
أرض الواقع بكل تفاصيله المؤلمة.. وكانت
الصدمة كبيرة حينما علمنا أن الصحفيين
المتواجدين هم من التلفزيون السوري، فكانت
الواقعة (هل هو يوم الحشر ؟!!).
والأغرب
من ذلك كله، أن الصحفيين بدا عليهم الحماس
والنشاط وأنهم قادمون لتصوير الحقيقة لا
غيرها، وقالوا للطلاب إنهم جاؤوا لفضح
إدارة المدينة الجامعية، ومن هنا فقد دخل
الريب إلى قلوب البعض بينما تحمس البعض
الآخر للفكرة ولحقوا الكاميرا أينما توجهت،
بل وساعدوها على الوصول إلى بعض الغرف والممرات
المزرية جداً، وتحدث البعض الآخر من وراء
الكاميرات مع التحفظ في قول الأسماء أو
الظهور أمام الكاميرا، طبعاً كنا نراقب
الوضع من بعيد ولكن كان الطلبة لا يكفون
عن التعبير عن استغرابهم، فسألوا الصحفيين
عن الجهة التي ينتمون إليها فعرفنا أنهم
من المكتب التنفيذي- مكتب الثقافة والإعلام
والنشر المركزي في التلفزيون السوري –
برنامج أحلى الأيام، وقد اعترف أحد الطلبة
لمقدمة البرنامج قائلاً: "هذه أول مرة
أرى التلفزيون يصور الواقع كما هو! "بينما
قال آخر لمقدمة البرنامج، "الخدمات كانت
أفضل قبل الآن، نحن ندفع 3000 ل.س على ماذا؟!"
وعلق آخر، "والله ننام في حديقة تشرين
إلى حين نزول قوائم السكن، أنا من القامشلي،
لا أحد لي هنا في دمشق، وأنا مجبر أن أداوم
وأحضر محاضراتي، الدوام بدأ منذ شهر ولم
نتسلم السكن حتى الآن!".

الأمر
بدا وكأنه نقلة نوعية في الإعلام السوري
المعروف أنه إعلام سلطة بامتياز، وأنه
يتغاضى عن الحقائق بل ويزورها في سبيل الاستمرار
ودعم النظام القائم زوراً وبهتاناً على
مبدأ (انصر أخاك ظالماً ومظلوماً).
وقد قام
الصحفيون بإجراء لقاءات عديدة مع الطلبة
ومع أحد المعاقين، وكذلك مع بعض الطللاب
الذين عانوا من التشرد حتى بعد نزول قوائم
أسمائهم، وذلك بسبب احتكار الطلاب القدامى
للغرف. ودخلت الكاميرا إلى معظم الغرف بينما
كانت مقدمة البرنامج تتبادل أرقام الهواتف
مع الطلبة لاستقبال شكاويهم، وأعلمت الطلبة
أن برنامج أحلى الأيام سيظهر يوم الثلاثاء
في الساعة الرابعة مساء بتوقيت دمشق على
القناة الأولى، واعترفت: "لا يمكننا
عرض البرنامج على الفضائية حتى لا نصدّر
مشاكلنا الداخلية إلى الخارج، فهذا لا
يجوز".
في هذه
الأثناء، قدمت العناصر الأمنية الموجودة
في المدينة وطالبوا الصحفيين بالتوقف عن
التصوير، وبعد أن أكد الصحفيون أنهم قدموا
بمهمة رسمية لجأ عناصر الأمن إلى التفاوض
والمراوغة، وقال المسؤول الأمني لمعد البرنامج،
"أي طالب لديه مشاكل فقط عليه أن يأتي
إلينا ونحن نحلها له على الفور"، طبعاً
هذا كلام فارغ بالنسبة للطلبة لأن أي طالب
لديه مشاكل من الأجدر به أن يصمت خوفاً
على مستقبله، وهذا ما أكده وعبر عنه أحد
الطلبة إذ قال وراء الكاميرا، "هناك
الكثير لكن لا يمكننا أن نتكلم، بدون فضائح
أحسن!!".
استمرت
المفاوضات بين الأجهزة الأمنية والصحفيين
حوالي نصف ساعة ليتوقف الصحفيون عن عملهم
وينسحبوا خارج أسوار المدينة.
بقي أن
نقول، إن هناك بعض الصحفيين الشرفاء الذين
لديهم أفكار جيدة نابعة من نبل أهدافهم
وضمائرهم الحية، ولكن مقص الرقيب الأمني
في سورية مستعد دوماً لقطع كل الألسنة الشريفة،
فهي العين الساهرة على إرهاب المواطن وخنقه
من الوريد إلى الوريد.
|