خاص ثروة
المثقف هو ابن
بيئته، أرض وجذور، وهواء يشاطر الشمس والريح
والأنجم في الضوء والظلمة، والشعراء هم
مرايا الحياة بألوانها المختلفة، حين يتحول
الشعر والقصيدة إلى حاضنة للألم الإنساني
والفرح وكل اختلاجات النفس، وما يجري على
الكون.
والشعر هو وظيفة
ورسالة نبيلة، قبل أن يكون مهنة ارتزاقية،
وهو كرنفال لإنسانية تلتقط ظلال الخير
والشر لدى آدم وحواء، ويأتي الشاعر والشاعرة
بأقلامهما وتدخل النفس والأعماق في معبد
الاحتراقات والإلوهية الشفافة، لينتهي
المشهد بولادة طفل جميل يتكلم بفرح صغير، أو حبّ
يحبو على خطى الربيع، أو يصّور لنا رائحة مذاق الخبز
في موسيقى الجوع وبرد الشتاء. فالشعر هو
الحرية في أن تقول وتفعل وتصرخ وتضيء العتمة
في غابة الحياة المستباحة، وتعمل لأجل صناعة الأمن والخير
والحب والفرح والإنسانية المقدسة.
لكن مؤلم حين
نجد أن البعض دخل في حديقة الشعر ولبس ثياب
القصائد، كغاية للوصول إلى ماديات، وحرق
الإنسانية وحرية الشعر في بلاطات الجلادين،
ومن يدفنون المثقفين والشعراء أحياء في
زنازين وسجون، حين كتبوا يوما كلمة حرية
في آرائهم وأشعارهم وحكاياتهم.
دمشق بكت شعرائها
والشعر وثقافتها، حين اغبّرت جدرانها وبيوتها
وياسمينها بأصوات الشعر تتلاقى مع صوت
سياط الطغاة، على ظهر الكلمة والقصيدة
والحرية والإنسان والوطن الجريح.
إن من يجد في
نفسه شعورا بالشعر والقصيدة، عليه أن يكون أكثر من إنسان
وأكثر من خيّر، فلو فقدت هذه الميزة من
جسد وروح الشاعر أو الشاعرة، لانتهى الشعر
والقصيدة في أول الطريق، وتحول إلى مهنة تسول، ولعب
بالكلمات، ومقايضة روح الشعر بالمادة.
في الشرق الأوسط
تكاثر الكثيرون ليكونوا في ظلالهم قصائد
ومعلقات تعلق على أبواب المستبدين، ويتجاهلون
وهم في حضور الطاغية، أن لهم زملاء كتّاب وشعراء
في المعتقلات.
والمصيبة، يروّجون
مع صوت المستبد لثقافة مصطنعة ووجبات سريعة،
لأجل أن يظهروا النظام البوليسي وقاهر
المثقفين والشعوب والأوطان، بالنظام المثقف.
فنجد عواصم تعيش الظلم وكبت الحريات والثقافة
تتوج بأقلام هؤلاء (عاصمة الثقافة).
في
مسرحية (هاملت) لشكسبير نجد أن \هوراشيو\
هو المثقف الواعي الذي يقف مع الشعب لكنه
يعلو برأسه المفكر الذي قرأ التاريخ الإنساني
وفهم حاضره السياسي، وامتلأ قلبه بالحب
نحو البشر، وصدره بإدراك قوتهم وضعفهم،
فأصبح مزيجا من الحكمة يلخصها، أو يرسمها،
شكسبير في قول هاملت: «هوراشيو إنك لرجل
شريف، لن التقي بمثيله.... أنت الذي اختارته
نفسي منذ أن بدأت تميز بين الناس، لأنك
كالذي عانى كل شيء فأصبح بذلك لا يعاني
شيئا، يتلقى من الأقدار الخير والشر بامتنان
واحد، وطوبى لهؤلاء الذين يتوازن عندهم
العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارا في
يد الحظ يعزف عليه ما يشاء، اعطني هذا الرجل
الذي يرفض أن يكون عبدا لأهوائه وسوف أضعه
في قلب قلبي>.
ولكي نتعرف على
وظيفة الشعر في الحياة والإنسانية، من
منطلق أن يستشعر الشاعر بمعاناة الآخرين
من المضطهدين وحالمي الحرية والعدالة،
نتوقف لدى بودلير عند قوله: "إنه قدر
عظيم، وقدر الشاعر ألا يلاحظ فحسب، بل يصحح
كذلك... أن يتجول في كل مكان رافضاً للظلم".
لذلك كان شعر
بودلير هو شعر الفقراء والمحرومين البائسين
والمنهزمين وكما يذكر هو في قصيدة له:
" افكرُ في الزنجية الهزيلة
المسلولة
افكرُ في كل
مَن فقد ما لا يُستعاد
افكرُ في اليتامى
الضعاف الذابلين كالزهور
في البحارة المنسيين
في جزيرة
في الأسرى في
المنهزمين والآخرين.
هذا الشعور الإنساني
الكبير الذي هو سراج يضيء الطريق أمام التائهين
ومن يبحثون الخلاص، يرتقي بالشعر إلى مرتبة
عليا تستحق الاحترام والدهشة.
تجسّد الهمّ
الإنساني والانفعال بأحلام الناس والوطن
والحرية والأرض والسماء، وكل ما يجري ويحدث،
لدى شاعرنا الكبير محمود درويش في قصائده
الجميلة.
قصيدته \ عن إنسان
\، تسرد لنا هذه التضامنية الشعرية مع الهم
والحلم الإنساني:
وضعوا على فمه
السلاسل
ربطوا يديه بصخرة
الموتى
وقالوا: أنت
قاتل
***
أخذوا طعامه
والملابس والبيارق
ورموه في زنزانة
الموتى،
وقالوا: أنت
سارق
طردوه من كل
المرافئ
أخذوا حبيبته
الصغيرة،
ثم قالوا: أنت
لاجىء
***
يا دامي العينين
والكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف
باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات، ولم
تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة
تجف
ستملأ الوادي
سنابل.
هذا هو الشاعر
الإنسان الكبير بقلبه وشعره، الذي يصوغ
بشعره وقصائده تموجات النفس البشرية، بأمانيها
وأفراحها وأحزانها، لتكون الأشعار والقصائد
مرايا الوجوه الكثيرة دون تمييز بين لون
ودين ولغة. لأن كل الأجناس والأوطان هي
في جغرافيا الشعر، الأكثر حرية في الحياة.
والشعر هو منتهى الأحرار والثقافات الوطنية
الصحيحة
|