لعلّ
ما توصل إليه الكورد في العراق في يومنا هذا من حقوق ومكتسبات تاريخية، لهي دليل
على حالة طبيعية وصحيّة يعيشها الشعب الكوردي هناك، بعد مراحل ومنغصات كثيرة مرّوا
بها نتيجة سياسات الأنظمة المتعاقبة التي حكمت العراق ككُل.
وكانت
الفترة الممتدة ما بين العام 1991 و 2003 عندما حُرر العراق من النظام البعثي،
كانت فترة كافية ومناسبة ليقوم فيها الكورد ببناء مؤسساتهم الديمقراطية، رغم ما
حملته هذه الفترة من انتكاسات ونكبات، سواء على الصعيد الداخلي وما جرى من اقتتال
بين قوات الحزبين الرئيسيين هناك، أو على الصعيد العراقي، وحتى على الصعيد
الإقليمي والعلاقات مع دول الجوار، التي طالما كانت ولا تزال بالمرصاد لكافة
التطورات التي تحصل في الإقليم الناشئ!
وبعد
عملية تحرير العراق في العام 2003، بدأت المرحلة الجدية التي لم تكن مفاجئة للكورد
على خلاف بقية مكونات الشعب العراقي، حيث أنهم كانوا قد تخلصوا من الحكم البعثي
المباشر بشكل من الأشكال، بعد أن تمكنوا بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية من
فرض منطقة حظر طيران على أجواء كوردستان العراق.
الآن،
وبعد مرور أكثر من خمسة أعوام على عملية التحرير تلك، طرأت الكثير من التغيرات على
داخل الإقليم الكوردي. فمسألة الحكم الذاتي تبلورت بشكلٍ أكثر وتحولت تدريجياً إلى
فدرالية، وتوحدت الحكومتان الإقليميتان في أربيل والسليمانية، وتم إنشاء برلمان
موحد يمثل كافة أطياف الشعب الكوردستاني! وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت الشركات
الأجنبية تغزو السوق الكوردستانية، وازداد عدد الاستثمارات المحلية والخارجية، كما
أن الإقليم شهد ثورة عمرانية لا مثيل لها في المنطقة، قياساً إلى الفترة الزمنية!
إلا
أن بعض الأمور الأخرى ظلت عالقة، ولم تلق الكثير من الاهتمام. وبقيت إلى فترة تحت
الغطاء ولم تحل بأي شكل من الأشكال. فالتقرير الذي نشرته صحيفة "فاينانشال
تايمز"البريطانية قبل عدة أيام،
لخير دليل وتأكيد على ذلك! حيث أوضح التقرير أن عائلتا زعيمي الحزبين الرئيسيين في
إقليم كوردستان "مسعود بارزاني وجلال طالباني" تحتكران وتسيطران على
الحياة السياسية والاقتصادية في الإقليم الكوردي! وأنّ الفساد الإداري مستشر بشكل
فاحش في كافة المؤسسات الحكومية هناك...!!
ويضيف
التقرير، أنّ واشنطن غير راضية أبداً عما يحدث هناك من فوضى إدارية، وأنّ العواقب
ستكون وخيمة إذا ما استمر الوضع على حاله ولم تقم الحكومة بأي شيء!!
ولو
حولنا نظرنا عن ذلك، لوجدنا أنّ الأمر لا يتوقف عن هذا الحد، بل أّنّ الفساد قد
دخل بعض التفاصيل الأخرى من الحياة، فمثلاً غالبية المنحات الدراسية التي تقدم للطلاب
المتفوقين، تكون من نصيب أبناء القيادات الحاكمة هناك، وترى بأن غالبية الموجودين
من الطلاب الكورد في الولايات المتحدة وأوربا، هم إما من عائلة طالباني أو
بارزاني، وأحياناً بعض العوائل المقربة منهم! بغض النظر إن كان هؤلاء متفوقين أم
لا!
قد
يكون تعليق البعض على كل هذه الخروقات، أنّ التجربة الديمقراطية ما زالت في
بداياتها، وأنّ القيادات الكوردية لا زالت تتملك العقلية الكلاسيكية في القيادة
والتصرف الحكيم الذين يقودان الشعب الكوردي إلى شواطئ الحرية التامة. وأيضاً أنّ
الإقليم لم يكد يتخلص من كافة آثار النظام البعثي البائد!
قد
يكون هذا الكلام واقعياً ومنطقياً، ولكن إن أرادت القيادات الكوردية هناك أن تحافظ
على إقليمها الفدرالي الجديد، فلا بدّ من قليل من التضحيات اللازمة لتكون بمثابة
خطوة أولية على الطريق الصحيح.
وربما
يكون الحل الأمثل في البداية، فتح المجال بشكلٍ أكثر فعالية أمام الصحافة وحرية
التعبير، لأنها الطريق الأسرع لكشف المشاكل والأزمات التي يعاني منها المجتمع
الكوردي بشكلٍ عام. والتطرق إلى كافة المواضيع التي طالما كانت تعتبر في خانة
الخطوط الحمراء..!
إضافة
إلى ذلك، لا بد من القيام من جديد ببناء مؤسسات ديمقراطية تحفظ كافة حقوق
المواطنين وترصد مباشرة كافة التحركات التي تقوم بها الحكومة، لتكون بمثابة رقابة
ذاتية تؤدي بالنهاية إلى النتائج المرجوّة وترتقي بالحالة الديمقراطية الناشئة في
الإقليم.
ربما
يكون مفهوم الديمقراطية، جديداً على شعوب المنطقة التي عانت ولا زالت تعاني من
القهر والاستبداد والدكتاتورية. ولكن علينا أن نتقبل هذا المفهوم الجديد وأن
نتعايش معه، لأنه البديل الوحيد للظلم والعبودية، والحل الأمثل للتعايش بين الشعوب
المختلفة في منطقتنا.