تتصاعد
الكثافة السكانية في أشهر الربيع في المناطق السورية الشمالية، ويعد ذلك نتيجة
طبيعية ومباشرة لانتقال البدو الرحل وقطعانهم من الدواب، من أماكنهم الأصل في البادية
السورية، إلى مناطق بعيدة نسبياً، بحثاً عن الكلأ والمياه، وهي هجرة موسمية تتكرر
في أشهر الربيع، والأشهر الأولى من الصيف ( قبيل موسم الحصاد وخلاله ) من كل عام، وأصبح
ذلك بالنسبة للبدو وسكان المناطق الشمالية بمثابة تقليد متعارف عليه، فلا نكهة
للربيع وموسم الحصاد في الشمال السوري بعيداً عن البدو، ولا تكتمل صورة الشمال
السوري بعيداً عن حلول البدو.
لإيلاف البدو.. إيلافهم رحلة الربيع والصيف...
يبدأ
المشهد برجال من البدو يزورون مناطق في الشمال، على سبيل الاستطلاع والتفاوض، من
أجل استئجار مواقع زراعية استراتيجية، من زاوية صلاحيتها للتحول إلى مراع مرتقبة
لقطعانهم، منذ بدايات الربيع حين يحزم الغيم حقائبه ولا يدر على مناطق الشمال إلا
فيما ندر، ويعرف المشهد نقلة تالية، حين تعبر سيارات شحن ضخمة ( قاطرات ) المدن
الشمالية وريفها المترامي الأطراف، محملة بمستلزمات حياة كاملة وأدواتها ( خيام،
وجوادر، وأسيجة، وحُصْرٌ، وبُسْطٌ، وصهاريج ماء، وكلاب حراسة ) إضافة إلى قطعان
الماشية، التي تخصص لها قاطرات من ذات الطابقين.
ويتواتر
عن الطاعنين في السن من أهل الشمال السوري، أن صورة من حلول البدو في مناطقهم كانت
تتكرر في العقود السابقة أيضاً، ولكنها لم تك ( سلمية وديمقراطية ) كحالها في
الراهن، إذ عرفت سنوات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات غزو البدو وغاراتهم على
مناطق الشمال للسلب والنهب، وكانت روح التفاوض الحالية ضرباً من المستحيل حينها، لا
يلجأ إليها البدو إلا من منطلق القوة، أما وأن الكثير من الأمور تغيرت، فإن هذا
الحلول البدوي في مناطق الشمال الآن بصورة سلمية، وبناء على رضا الطرفين، لا يخلق
المشاكل والمنغصات، بل صار عامل جذب، فالطرفان: البدو والحضر يستفيدان من هذه
الهجرة التي لا تدر إلا الخير.
الشمال سوق مفتوحة : لئلا يشرب البدو سرابهم ويموتوا من
اللهاث...
ليست
هجرة البدو المؤقتة هذه بطراً اجتماعياً واقتصادياً، فهم مضطرون إليها، لئلا
يشربوا سرابهم ويموتوا من اللهاث وتأكلهم الأرض، سيما وأن السنوات الأخيرة تشهد
موات الأرض وزرعها، والمواسم تذبل كما لم يتوقع بشر، والبادية ومحيطها تتحول إلى
قفر لا متناه، ولا عجب في ذلك، ما دامت المناطق التي كانت تشهد غزارة للتهطال
المطري فيما مضى ( مناطق الشمال من بينها ) تندب حظها العاثر إزاء هذه الهدنة
الخبيثة المديدة والمفتوحة للمطر، الذي لم تعد طاولات الشمال ولا مقاهيه تستهويه.
دخول
الأمطار في الغيبوبة الصغرى خلال السنوات السابقة لا يلحق أفدح الأضرار بالزراعات
فقط، بل يمتد إلى إلحاق الضرر والأذى بكل نشاط وإنتاجية أخرى تتوقف على التهطال
المطري، فمن أين يأتي البدوي بالكلأ والتبن والمياه لقطعان ماشيته ما دامت البادية
تحولت إلى منطقة قاحلة بإمتياز، ولا تنتج احتياجات الحد الأدنى الضروري لديمومة
أوجه الحياة والمعيشة، وتتحول كذلكم الأمر رويداً .. رويداً إلى منطقة مهجورة
بإمتياز، بنتيجة العوامل الطبيعية، وغياب خطط وسياسات حكومية إنقاذية من لدن حكومة
اختارت التشبث بدور المتفرج الصامت.
حيازة
البدو المؤقتة لمراع باذخة في مناطق الشمال يتيح لهم تكثيف إنتاجهم من الحليب
ومشتقاته، ما يحولهم إلى قوة منتجة تطرح في أسواق المدن القريبة كميات كبيرة من
اللبن والجبن يومياً، إضافة إلى الحليب الذي ينقل يومياً في ساعات الصباح الأولى بواسطة
حاويات بلاستيكية مثبتة بعناية في مقطورات سيارات الشحن، إلى مدن أكبر مثل حلب
والرقة وإدلب، ولعل المتتبع لأسعار اللبن والجبن خلال الشهرين الفائتين وفي الوقت
الحالي، يعلم وحده ما جناه البدو الرحل من نقود، فسعر الكيلو غرام من اللبن لم
ينخفض بتاتاً إلى ما دون 25 ليرة سورية، كما وأن سعر الكيلو غرام من الجبنة بدأ
بالصعود انطلاقاً من 120 ليرة سورية للكيلو الواحد ليصل حالياً إلى 145 ليرة
سورية.
وبديهي
أن نذكر أن البدوي، وإن كان مستقراً مع قطعانه من الماشية في أرياف الشمال ( ريف
الحسكة والرقة وحلب )، إلا أن عينه المنصبة على جني الأرباح هي على المدن الكبرى
مثل حلب والرقة، حيث تكون الأسعار ملفتة أكثر.
ذات يوم على ضفة البدو...
استوطن
قسم من البدو الوافدين في محيط مدينة كوباني ( عين العرب ) وريفها، ولعل خيمهم
ونمط حياتهم جدير بالمراقبة ومحاولة التغلغل فيها، للإطلاع عن كثب على هذه الحياة
الشاقة المختلفة مع ما اعتدنا عليه، يشجعك على ذلك بشاشتهم وترحيبهم بكل شخص يريد
الاقتراب منهم وإلقاء التحية عليهم.
كان
أولئك البدو ( الذين يظهرون في الصور ) قادمين من أقصى جنوب سورية، من محيط منطقة
التنف الصحراوية، تعارفنا مع الراعي " خلف " المتزوج حديثاً، وحين مددنا
له بكأس كولا، قرر صديقنا الجديد أن يشم رائحة المشروب - ربما - انطلاقاً من شكوك
معينة ساورته، وحين اكتشف أنه مشروب ( حلال ) ابتسم باعتذار، لأنه أساء الظن بنا، فقرر
أن يأخذ زجاجة كولا فارغة، ورجع إلينا بعد تأخر بسيط ليقدم لنا زجاجة حليب كاملة، هكذا
أظهر خلف كرمه، ودعانا إلى زيارة مضارب القوم، مشيراً بإصبعه إلى كل خيمة على حدا،
ومعرفاً أصحابها، وكانت الخلاصة أنهم ينتمون إلى عائلة واحدة، وتمتد ثرثرتنا إلى
شؤون كثيرة أخرى.
قمنا
بالتجول بين الخيام يرافقنا " خلف "، وقبل التقاطنا لكل صورة كنا نستأذن
البدوي الأسمر " خلف "، لئلا نتسبب عن غير قصد بمشكلة لا تحمد عقباها،
مع شريحة سورية موغلة في العشائرية ومفاهيمها الخاصة، ولكنه أراحنا حين أفهمنا أنه
ليس ثمة مشكلة، وأننا أحرار في تصوير ما نشاء، مؤكداً لنا أن " تصوير البنيات
( الفتيات ) حتى ليس ممنوعاً ".
كانت
هنالك على سفح جبل " مشته نور " المشرف على ميدة كوباني ( عين العرب ) عشرات
الخيام المتوزعة من أقصى الجبل إلى أقصاه، بعضها للإقامة، وبعضها الأخر نصب كحظيرة
مؤقتة للدواب، واختارت كل أسرة منهم أن تنصب خيامها بعيدة عن الأخرى، فأرزاق كل
منهم تخصه وحده، وإن كانوا قدموا سوية وسيرحلون سوية إلا أنهم حين يقصدون مدينة
كوباني ( عين العرب ) أو المدن الأخرى لطرح منتجاتهم، فإنهم يقصدونها سوية، كانت
إحدى خيام أولاد عمومة " خلف " قريبة من برج شبكة الهاتف النقال "
سيريتل "، وحين حدثته عن " رامي مخلوف " وآله وصحبه وسلم، وأن ذلك
البرج يتبع لشركته، لم يهتم " خلف " بالأمر، وأختار أن ( يطنشه )
بالحديث عن أمور أخرى.
سألته
رأيه في هذه الهجرة الدائمة، وهل هم مرتاحون إليها، فأجاب باقتضاب : " وما
العمل ؟. "
ونحن
نسير بين الخيام، كان علينا أن نتحاشى كلاب الحراسة المؤتمنة على المضارب وساكنيها
وقطعان ماشيتهم، ولكن " خلف " كان أشبه بصمام الأمان، خلال ذلك كنت
أكتشف وجهاً آخر للحياة ونمطاً مغايراً من الحياة، فهنالك عفوية مفرطة وروح مثالية
نادرة، فبمجرد أن تسلم على مجموعة من الرجال الجالسين أو المجتمعين أمام خيمة ما
كانوا يقفون وهم يردون السلام بأحسن منه، أحد أقارب " خلف " وهو راع
مثله، كان منصرفاً إلى شؤون روحه حين بادرناه بالسلام، وحين أبصر آلة التصوير قرر
أن يركز نظره على العدسة ولا يفارقها، بعده التقينا بإحدى النساء، وحين أريتها آلة
التصوير رمت المقشة أرضاً، وصارت تدعو لي ولآلة التصوير وللذين برفقتي خلال
زيارتنا إلى مدينة كوباني ( عين العرب )، ولكن هل حظيت " ثروة "
ومديرها أيضاً بدعاء المرأة البدوية الطيبة ( يمكن لنا الاتفاق على تقاسم أسهمنا
من دعوات البدوية الطيبة !!! ).
أخبرنا
البدو الطيبون أولئك، أنهم قدموا من مناطقهم الأصل منذ بداية شهر آذار / مارس،
وسيبقون في كوباني ( عين العرب ) إلى شهر تموز / يوليو أو آب / أغسطس، وأنهم بصدد
شراء الفرازي والبيادر ودرس القش تبناً، كاحتياط لأشهر الشتاء الطويلة، وأنهم الآن
ينتجون الحليب واللبن والجبن، ويبيعونه في أسواق كوباني وتل أبيض ومنبج، ويجنون من
وراء ذلك ربحاً مقبولاً.
وأنا
أكتب هذه المادة الآن، بدأت أفواج أخرى من البدو بالتقاطر على المناطق السورية
الشمالية، فموسم الحصاد قد بدأ، وعلى البدو والحالة هذه استئجار العشرات لا بل
المئات من الهكتارات من الأرض التي تم حصادها، للاستفادة منها كمراع، وتحصيل التبن
اللازم والضروري منها.