حبة
القمح لا تعطي أكثر من ثماني حبات بعد أن كان كيس (شوال) القمح في سنوات سابقة
يعطي ستة عشر كيساً كحد وسط، والفلاح السوري في أقصى الشمال الشرقي من البلاد كان
يستبشر خيراً برسائل الحكومة التبشيرية من أن "لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون"؛ لكن الخوف كل الخوف من الرمال الصحراوية الحمراء التي تجر أذيالها
نحو الجزيرة السورية مهددة بتصحر مساحات شاسعة بعد سنوات من الجفاف أصابت المنطقة
فأبادت الأخضر واليابس. هي كانت سنوات عشر عجاف مرت على الجزيرة السورية، غيرت
موازين القوى الاقتصادية في البلاد، فحولت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية
الخصبة إلى مراع للمواشي التي يأتي بها أصحابها البدو من المحافظات السورية الأخرى
مستغلين ضيق حال الفلاح في الجزيرة، حيث يضطر الأخير إلى بيع زرعه كما هو قبل أن
يحرث الأرض بسبب سوء الأمطار ونذر الشؤم التي تلوح في الأفق. وبحسب الدراسات
الاقتصادية التي تناولت قوة الجزيرة الاقتصادية فقد كان المراقبون يتوقعون أن
الجزيرة السورية لديها قدرة الاكتفاء الذاتي مدة عشرسنوات في حال حدوث حرب وما إلى ذلك، ففيها
النفط والقمح والعدس والشعير والقطن والزيتون، كما أن تربتها صالحة لزراعة معظم
أنواع الخضار والفواكه، هذا عدا عن أنها منطقة حدودية متاخمة لدولتين هما العراق
وتركيا، ويمر في الجزيرة نهران غزيران هما دجلة والفرات.
وقد
أدت موجات الصقيع المتتالية مترافقة مع الجفاف ليلاً والحرارة العالية جداً في
النهار إلى إلحاق أضرار فظيعة بالأراضي الزراعية، هذا إضافة إلى الأمراض المتتالية
التي لحقت المزروعات من الديدان والجرذان وبعض الأعشاب الضارة، كل ذلك حطم نفسية
الفلاح الجزراوي، ومع ارتفاع الأسعار وخاصة أسعار الوقود كان الفلاح في الجزيرة
السورية مستعداً للرحيل إلى منفاه خارج حدود أراضيه بحثاً عن لقمة العيش، وهذا
بطبيعة الحال ما أدى في السنوات الست الأخيرة إلى هجرة أكثر من مئتي ألف عائلة من
الجزيرة السورية إلى المحافظات الرئيسية (دمشق - حلب - حمص) وهؤلاء يعملون في
المصانع والمعامل الخاصة، ويجدون الحياة هناك أفضل من الحاجة التي تلحقهم في
الجزيرة.
في
مناطق مثل (الكسوة والباردة ووادي المشاريع وسبينة) تستوطن العوائل المشردة
القادمة من الجزيرة السورية نتيجة سوء هطول الأمطار لسنوات عديدة كسرت ظهورهم
وشردتهم في بقاع الأرض، قصصهم كلها متشابهة، ولا يحتاج المرء إلى مزيد من
الاستطلاع للوقوف على أوضاعهم المعيشية، فمجرد التطلع من الخارج يسعف المتابع
بحقيقة الوضع الذي يعيشون فيه.
بالمقابل
هناك عائلات لا تزال صامدة في قراها تنتظر الفرج المنتظر أو المعجزة التي قد تثلج
صدورهم وتعيد إليهم الأقارب والأصدقاء من البلدان البعيدة الغريبة التي هجروا
إليها أو تم نفيهم بقرار الطبيعة.
في
القرى الواقعة على الحدود العراقية التركية السورية (المثلث الحدودي) تبدو الأوضاع
أفضل من القرى الواقعة غرب القامشلي باتجاه رأس العين، وبزيارتنا إلى قرية (كركي
جهوا) كان الخضار الذي يكتسي الأرجاء يشعر المرء بالاطمئنان، رغم أن الأمطار لم
تكن بالمستوى المطلوب:
-سليمان. أبو علي (من
فلاحي القرية) عبر عن نظرته للوضع الاقتصادي بقوله: "الأمطار هذا العام كانت
أفضل بقليل من الأعوام الماضية، لكن الوقود لم يرخص رغم وعود الحكومة بذلك، كما
أننا لم نتلق أي دعم من الحكومة فيما يخص المستلزمات الزراعية من سماد ومبيدات
كيماوية، حتى الأكياس لم نحصل عليها إلا عن طريق التجار وليس عن طريق الاستصلاح
الزراعي".
-كهرمان (مزارع):
"الأراضي كلها في القرية ليست ملكاً للفلاحين الذين يعملون فيها منذ عشرات
السنين، كلها أملاك دولة صودرت من أكثر من 40 سنة، ثم أعطيت للفلاحين للعمل فيها
مقابل ضرائب معينة، أليسوا يقولون إن الأرض لمن يعمل فيها، لماذا هذا النفاق؟! أنا
وأولادي وأولاد أخوتي نعمل في هذه الأرض من أكثر من خمس وعشرين سنة ولا نحصل منه
سوى على لقمة عيشنا، أكثر من ذلك لا نحلم، ولا يمكن أن نحلم، ابني وصل إلى
الثانوية ولم يكمل لأجل المال، الآن هو يعمل في الأرض، أليس ذلك حراماً؟!".
الأوضاع
تزداد سوءاً بالانتقال إلى الغرب باتجاه قرى (تل معروف - غزاليك - هرم رش - كليجا-
جرنك - مصطو هندي - هرم جمو - حسين رومي...) باتجاه مدن (عامودا - الدرباسية - رأس
العين)، حيث تبدأ الأراضي بالتصحر في سابقة خطيرة من نوعها، ومعظم الأراضي هناك لم
تزرع، والمشكلة الأكبر بل المصيبة التي يتحدث عنها الأهالي ويذكرونها باستمرار هي
أنهم قاموا برش السماد الكيماوي على القمح وتفاجؤوا بتوقف المطر لأكثر من أسبوع
كامل مما أدى إلى حرق المزروعات نتيجة الحرارة العالية والمواد الكيماوية.
في
شهري أيار وحزيران من كل عام يكون موسم الحصاد في الجزيرة السورية، فتشكل كل
مجموعة من العمال ما يسمى في قاموس فلاحي الجزيرة بـــ(المصلحة) وهو فريق العمل في
موسم الحصاد، وبصورة تقريبية تتكون مصلحة الموسم من حصادة وجرار وخزان ماء كبير
وسيارة وخيمة كبيرة للعمال وخيمة للطباخ، ومن ثلاثة سائقين ومعلمي تصليح وسبعة
خياطين لأكياس القمح وخمسة حمالين، وطباخ للمصلحة (فريق العمل)، ويختلف عدد أعضاء
الفريق بحسب كبر الفريق أو صغره ففي بعض الفرق هناك حصادتان أو ثلاث وفي هذه
الحالة يكون عدد الفريق أكبر، ويقوم صاحب الحصادة وهو مدير العمل وقائد الفريق
بتجهيز كل المعدات اللازمة من أدوات سلامة، وأدوات مطبخ ومعدات تصليح وما إلى ذلك
للعمال، فيوفر لهم جميع وسائل العمل بدون توقف، كما يقوم الطباخ بإعداد كمية كبيرة
من الطعام يومياً للعمال، بينما يحمل الحمالون في مواسم الجزيرة أرقاماً قياسية من
أوزان أكياس القمح تصل إلى 150 كغ للكيس الواحد، يحمله العامل على ظهره ويطلع على
سلم شاحنة النقل ويضعها يدوياً في الداخل لشحنها، ومن المعروف أن أكياس القمح في
سورية هي الأثقل عالمياً، ويتناقل العمال حادثة مفادها أنه قبل عام عندما صدرت
سورية القمح إلى إيران تم إعادة القمح إلى سورية ولم يستقبلوه هناك وقالوا إنهم لا
يملكون عمالاً يحملون أكياساً بوزن 150 كغ، فتم إعادة الحمولة ووضعها من جديد في
أكياس تزن خمسين كيلو غراماً!
سوء
الموسم الزراعي والأوضاع الاقتصادية كان يمكن أن يكون تأثيرهما على المواطن إذا ما
قام ببيع إنتاجه إلى التجار لا إلى الحكومة، ولكن الحكومة وضعت الموسم الماضي
شرطياً على كل شاحنة يجبرها على الانتقال مباشرة إلى محطات التخزين لدى الدولة،
وكان الشرطي مخولاً بإطلاق النار إذا ما رفض أحد ما بيع إنتاجه للحكومة، وبالمقابل
فقد قررت الدولة العام الماضي إعطاء الفلاحين أصحاب المزروعات المروية مبلغ ثلاثة
آلاف عن كل دونم أرض كمساحة، لكن القرار لم يتم تطبيقه بشكل كامل، كما أن من حصل
على المبلغ قال إن المبلغ لم يغط نصف نفقات الوقود الذي تم صرفه على الزراعة.
في
قرى (سنجق خليل - سنجق سعدون - سنجق الشيخ - كر فارس - قره تبة) وحتى تخوم مدينة
الحسكة في الطريق الواصل بينها وبين عامودا لا توجد قطعة أرض بعلية يمكن زراعتها،
إذ يكتسح الصفار كل شيء ويغطي الآفاق والأرجاء، بينا تظهر المئات من قطعان المواشي
ترعى هنا وهناك في صفقات عقدت مع أصحاب الأراضي يتم فيها إعطاء الأرض ذلك العام
كمرعى للماشية مقابل مبلغ يعادل سعر البذار والسماد الذين وضعا في الأرض.
معظم
قمح الجزيرة يتم تصديره إلى مخازن القمح الرئيسية في منطقة عدرا بالقرب من دمشق،
ولعل الأمر المستغرب هو أن بعض فلاحي الجزيرة حتى ممن يعملون في الأرض طيلة العام
لا يحصلون من إنتاجهم سوى على كيس قمح واحد يأخذه من صاحب الأرض كزكاة لا أكثر ولا
أقل، كما هو الحال بالنسبة لأبي سعيد حيث قال:
-"حصلت على كيس
قمح واحد رغم أنني كنت أعمل كحمّال في مصلحة الموسم، وفي منتصف الشتاء لم يبق
لدينا برغل في المنزل، فصرت أشتريه من السوق كأي شخص غريب، السؤال الذي يحيرني هو
أن القمح مثلاً من الجزيرة والزيتون من اللاذقية وإدلب وحلب وتلك المناطق، هل هناك
شخص مثلاً في اللاذقية لا يمكنه شراء القمح، بالطبع لا، ولكن بالمقابل هناك الآلاف
من العائلات التي تقضي العام دون أن تشتري الزيتون لأن من أولوياتها الخبز والكساء،
وعدا ذلك فيعتبرونه أمراً كمالياً من الكماليات رغم أنه عند غيرهم من الأساسيات،
كالزيتون مثلاً".
في
دول مثل كندا وأستراليا، تقوم الدولة بتأمين كل مستلزمات العمل للحيلولة دون تضرر
الزراعة. وفي حالات الكوارث الطبيعية، تكون الدولة هي التي تصلح وترمم كل شيء
وتعوض الفلاحين والمزارعين عن الأضرار التي لحقت بهم، لكن في سورية صار ممنوعاً
بيع الأراضي في الجزيرة السورية إلا بقرار من وزارة الدفاع! كما تمنع زراعة الأرض
بغير القمح أو العدس حسب الخطة الموضوعة، كذلك يمنع بيع القمح لغير الدولة، ولعل
الباقي أعظم، إذ صار المواطن السوري يخشى من ضرائب إضافية على مأكله ومشربه، وربما
على الهواء الذي يتنفسه، أو يمنع على المواطن التنفس خارج أوقات الدوام أو في
الوقت بدل الضائع!