لايزال
موسم حصاد المحاصيل الزراعية الصيفية في عموم المناطق السورية، وهو الموسم الذي
تنتظره غالبية من السوريين كل عام، في بلد زراعي، مستمراً منذ بداية الشهر الجاري
( أيار / مايو )، ويعلق المواطنون المقيمون في الأرياف السورية الشاسعة آمالهم على
موسم الحصاد، لما يمثله من أهمية إنقاذية لهم، ظل تردي أوضاعهم المعيشية بنتيجة
الكبوات التي أصابت مواسم السنين السابقة، وإذا كانت غالبية من المناطق السورية
الشمالية شهدت انتهاء حصاد الحبوب المزروعة بعلاً كالقمح والشعير والكمون والعدس
.. إلخ، إلا أن جني القمح المروي لم يبدأ بعد في غالبية المناطق السورية، ومن
المقرر أن يتم البدء بجنيه انطلاقاً من الأسبوع الأول من شهر حزيران / يونيو
المقبل.
كلما اتسع الفقر ضاقت المواسم...
كلما
اتسع الفقر في سوريا ضاقت المواسم، وتحول الفلاحون والزراع إلى ما يشبه العصافير
الخائفة، صارت الأرض الزراعية في العديد من المناطق الشمالية السورية ملحقاً
إضافياً لحالة الموات الصاخبة في السنين الأخيرة، فالزراعة أصبحت مصابة بعاهة
دائمة لا برء منها، فيما تمارس الحكومة لعبتها الأثيرة المتمثلة في المراقبة
المجانية وإصدار قرارات لا جدوى منها.
المواسم
التي تحولت إلى نكبات في السنين الأخيرة، تجعل الفلاحين والزراع يغلقون أبواب
حقولهم للرحيل إلى سفر آخر من الوجع والمكابدات، ولاحظنا في العام الفائت هذه
الهجرة الداخلية المكثفة إلى محيط العاصمة دمشق، بحثاً عن ظروف وشروط أفضل، للبقاء
على قيد الحياة.
ورغم
أن الغيم كان لطيفاً هذا العام عموماً، ولم يصدأ المطر في درفاته، إلا أنه لم يك
عادلاً كفاية، ولم يعامل المناطق كافة بالقسطاس، فهو تفجر على مناطق دون أخرى، إذ
حمل بعض المناطق تحت إبطه المكتنز ماء، وترك أخرى تحت مظلة القهر والكآبة، لتستمر
تلكم المناطق مجدداً في الزمن السيء، ملفوفة باليباب السابق والغيوم الكتيمة.
القناعة في سورية البوليسية كنز لا يفنى...
فقد
المزارعون الثقة في المواسم خلال السنين الأخيرة، وتحولوا إلى طائفة من المتبرمين
منها، سيما وأنها خلال السنين تلك أطاحت بانتظاراتهم، ولم تدر عليهم الحد الأدنى
المتوقع منها أيضاً، وانعكس ذلك سلباً على أوجه أخرى من الحياة في المجتمع، في بلد
يعول بالدرجة الأساس على موسم الحصاد الصيفي، والمزروعات الصيفية أصبحت مغدورة
أكثر انطلاقاً من العام الفائت 2008، فإذا كانت مشكلة السوريين الوحيدة في الأعوام
السابقة هي مع الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب، فإن المشكلة تفاقمت في العام
الفائت لتصبح مع الحكومة أيضاً، حين رفعت أسعار المشتقات النفطية، ما نكل
بالزراعات الصيفية، وتحديداً المروية منها، وإن كانت الحكومة قد قامت في شهر آذار
/ مارس الفائت بتخفيض سعر الليتر من مادة المازوت، إلا أنه يبقى باهظاً بالنسبة
إلى المزارعين والفلاحين، ثم أنه جاء متأخراً، وكان يفترض أن يأتي ذلك منذ بداية
الشهر الأول من العام الجديد، ولكن ليس هنالك ثمة المزيد من الخيارات لدى الفلاحين
والمزارعين، فإما أن يزرعوا وإما أن يتركوا أرضهم بوراً، وهما أمران أحلاهما مر،
فما من أمرهم والحالة هذه سوى العمل والتوكل على الله، والقناعة في زمن البعث كنز
لا يفنى.
لا إطفائيات وأبواب مكاتب التسويق مغلقة...
يبدو
أن رهان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي ومن خلفها الحكومة هو على الزراعات
المروية فقط، ويبدو أن الرهان الأكبر في هذا الصدد هو على القمح المروي، ويستشف
ذلك من الخبر المنشور في وكالة الأنباء الفرنسية بتاريخ 25 أيار / مايو، حيث يتوقع
وزير الزراعة السوري - بحسب الخبر - أن يصل إنتاج القمح إلى 3،5 ملايين طن من
المساحة المروية المقدرة بـ 1،5 مليون هكتار، وبرأيه فإن الزراعة المروية مستقرة
في سورية ولا تعاني من مشاكل، وكل مخاوفه من احتمال تدهور الموسم ينصب على
التغييرات المناخية، وهذا يعني في قراءة بسيطة عابرة، أن وزارته وحكومته تقومان
بما يقع على عاتقهما وعلى أكمل وجه، والباقي على ( ربنا )، والواقع أن وزارة
الزراعة والحكومة أشبه بالمتفرجين على المواسم، فبعد شهر كامل من الحصاد لا تزال
أبواب مكاتب تسويق الحبوب مغلقة، ومن المرجح أن تفتتح المكاتب اعتباراً من بداية
شهر حزيران / يونيو، ولا يلاحظ أمام أبوابها وفي محيطها أية حركة أو تواجد لسيارات
الشحن، فافتتاح المكاتب إياها رهن بحصاد القمح المروي المعول عليه من لدن الوزارة
والحكومة، فمؤتمر الحبوب المنظم مؤخراً ركز عنايته على شراء القمح وتجاهل بالمطلق
شراء مادة الشعير، مخيباً بذلك انتظارات الفلاحين والمزارعين، ما سيجعلهم أسرى
التعامل مع التجار وأسعارهم الإجبارية التي لا بديل عنها بالنسبة للمنتجين، ويلاحظ
في غالبية المناطق السورية الشمالية الآن أن سعر الكيلو غرام من مادة الشعير لدى
التجار يتراوح بين 10 و10،50 ليرة سورية، وكان حرياً بالحكومة ووزارة الزراعة والمؤسسة
العامة لتجارة وتصنيع الحبوب إغداق مكرماتهم على مادة الشعير أيضاً ( يبلغ سعرها
الحكومي 15 - 16 ليرة سورية )، كإنقاذ للمزارعين من تحكم التجار، وكنوع من التشجيع
على زراعتها في المواسم القادمة، ولإنقاذ الثروة الحيوانية أيضاً، ما دام الشعير يستعمل
كمادة علفية أولى من قبل أصحاب رؤوس الماشية.
الأمر
الآخر، المتعلق بأوجه قصور الحكومة ووزارة الزراعة هو عدم اتخاذهما للاحتياطات
الواجبة واللازمة، وعدم توافر الاستعدادت الواجبة للتعامل مع موسم الحصاد،
فالمزروعات تترك في عهدة الرب لحمايتها من الحرائق، وكأن كل فلاح أو مزارع سوري
آمن مطمئن يأتيه رزقه رغداً من كل مكان حتى يثبت العكس، ويعلم المقيمون في المناطق
الزراعية أن شرارة طفيفة متطايرة من سيجارة أو من عادم سيارة شبه متقاعدة كفيلة
بالقضاء على مساحات كبرى من الزرع، وهذا ما يتكرر في كل موسم، دون أن تلجأ السلطات
المحلية، بتوجيهات من اللجان الزراعية في المناطق والمحافظات وبتعليمات من الحكومة
ووزارة الزراعة إلى قطع دابرها والاحتياط لها، إذ تنعدم في غالبية تلكم المناطق (
ريف حلب كمثال على ذلك ) قوى الدفاع المدني، وليست هنالك سوى عربات إطفاء رمزية،
لا تتحرك إلا بعد أن ينتقل الزرع إلى رحمة الله وفسيح جنانه.
في
هذا الإطار التهمت ألسنة النيران ما مجموعه 40 هكتاراً من الأرض التي لم تحصد بعد
شرقي قرية دربازين التابعة لناحية الشيوخ في منطقة كوباني ( عين العرب ) في منتصف
شهر أيار / مايو، ولعدم توافر الإطفائيات ( إذ توجد في منطقة كوباني التي تعادل
مساحتها مساحة لبنان إطفائية واحدة مقيمة في المدينة ) فقد ترك الحقل لمصيره، ولم
يتلق الذين أصابتهم المصيبة إلا تطييب الخواطر، و " إن لله وإنا إليه راجعون
"، و " قد أنعم الله عليَّ "، وكشفاً ميدانياً أجرته اللجنة
الزراعية في ناحية الشيوخ، ولكن لن يجزل في التعويض لأصحاب الحقل المنكوب كما جرت
العادة.
الحصاد في طبعته الحزبية ...
لا
ينتفع من موسم الحصاد الفلاحون والمزارعون وتجار الحبوب ومالكو الحصادات وآلات
الدرس فقط، بل يتلقف الحزب السياسي أيضاً موسم الحصاد، وينظم لذلك أيام حصاد يدوي
طوعية، وتتكرر صورة من ذلك كل عام، وينبغي الإشارة هنا إلى أن الجهة الحزبية
الوحيدة في سورية - على حد علمي - التي تنخرط مع جماهيرها بكفاحية في موسم الحصاد
هي " منظومة مجتمع غربي كوردستان "، وهي توليفة من مجموع تنظيمات
وتشكيلات متأثرة بأفكار زعيم العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان، ولعل اتخاذ
المنظومة لقرار تنظيم أيام حصاد طوعية يتأتى من اتساع قاعدتها الجماهيرية،
ولرغبتها في تنشيط جماهيرها، والاستفادة المعنوية والمادية من الحصاد الطوعي الذي
يشهد مشاركة المئات من أنصار المنظومة، ويقتصر في غالبية الحالات على جني الكمون
أو العدس أو الحمص دون المزروعات الأخرى.
ويبدأ
هذا الحصاد في طبعته الحزبية من تبرع مالك أرض بقطعة مساحتها عدد من الهكتارات إلى
المنظومة، وتقوم المنظومة بنقل أنصارها إلى الأرض المحددة لجني المحصول وبيعه
لاحقاً، وبالتالي الاستفادة المادية من ذلك، وعادة ما يتحول موقع الحصاد الطوعي
المنظم إلى موقع نضالي بإمتياز، إذ يشهد الشعارات والهتافات والأغاني الحماسية.
ليس للحمالين إلا الريح...
الملاحظ
في موسم هذا العام الاستغناء واسع النطاق عن الحمالين، فغالبية حصادات هذا العالم
اعتمدت آلية إفراغ حمولتها في مقطورات معدة للغاية ( حصادات دوغما )، وبات خلو
أرصفة غالبية المدن الشمالية من الحمالين مقارنة بالأعوام السابقة والمواسم
السابقة كفيلاً بتوضيح غياب الحمالين اللافت عن موسم هذا العام، فمالك الحصادة
يهمه جني الربح بأقل قدر من الخسائر، وليس للحمالين إلا الريح، والتوجه إلى المدن
الكبيرة للعمل في ورشات تصنيع الآجر، وإن لم يعجبه ذلك، يمكنه التوجه إلى أقرب
دولة شقيقة كلبنان مثلاً، فما يهم الحكومة هو الناتج الوطني من القمح، ولا تعنيها
الإكسسوارت الأخرى !!!.
تضاريس أخرى في جغرافية الحصاد...
كثرة
من البدو، وقلة من الغجر أيضاً تعشش في الخلاء الذهبي، على مشارف القرى والبلدات
وفي البيادر، وكل يبحث عما يعينه على حياته اليابسة، لأنهم ببساطة مطلقة يريدون أن
يعيشوا، لهذا - ربما - يتحايلون قدر الإمكان على أوضاعهم المعطوبة، ويتبللون
بالبيادر والهشيم والهواء المختنق وعويل الشمس، فالتجارب علمتهم أن المعيشة في
سورية عبوة ناسفة لا ترحم، وعليهم - في الزمن السوري البلاستيكي الضاري الذي بلا
ملامح - البحث عن ثقوب إضافية أخرى لضحكات أطفالهم.
وإذا
كان البدو يتعاطون مع موسم الحصاد برؤية استراتيجية، ويحتاطون له، ويتقاطرون على
المناطق الزراعية في ريف حلب منذ أشهر الربيع الأولى، ويقومون في سبيل الاستفادة
من الموسم باستئجار مساحات يكون زرعها شبه ميت، أو يلجأون إبان الحصاد إلى شراء
الأراضي التي خضعت للحصاد ( الفرازي )، ويتراوح أجر الهكتار الواحد منها بين 3 و 4
آلاف ليرة سورية، تترك بعد جمع القش منها لقمة سائغة لقطعان الماشية، فإن الغجر
معروفون بالكسل الذي لا حدود له، وينحصر تحركهم في موسم الحصاد على مرافقة
الحصادات، وتسول القمح والشعير من مالكي الحصادات والزراع، وفي أحيان كثيرة يعمدون
إلى سرقة محتويات أكياس القمح أو الشعير المتروكة في الحقول فوت الحصاد.