تزداد
أمور الخدمات في المدينة الجامعية في دمشق سوءاً بعد سوء، رغم أن هناك فكرة لرفع
الضرائب المفروضة على الطلاب، والتي كان تم رفعها في وقت سابق بغرض تحسين الخدمات
وترميم الوحدات السكنية وإصلاح الأعطال في البنى التحتية لمياه الشرب والكهرباء
والحمامات والمصاعد الكهربائية.
فبمجرد
نظرة سريعة على واقع الخدمات، يشعر المرء بالأسى أمام مشهد البؤس الذي يعيشه
الطلاب، خاصة فيما يتعلق بخدمات النظافة التي يبدو من الأوضاع الظاهرة أنها الأكثر
تردياً من بين الأنواع الأخرى من الخدمات. ومع انتشار الأوساخ وتراكمها نتيجة
الإهمال الشديد لعمال وورشات النظافة، ازدادت حالات التسمم وأوجاع المعدة والرأس
بين الطلاب، ففي كل يوم هناك العديد من حالات الإسعاف السريع والتي تتجاوز
الثلاثين حالة في الأسبوع، ومعظمها نتيجة النظافة الشخصية التي تتضرر بشكل أو بآخر
بعامل سوء وتردي خدمات النظافة.
ولكن
بالتحقيق في الأمر وسؤال عمال النظافة عن سر كسلهم وحقيقة إهمالهم لعملهم، تبينت
حقائق خطيرة تشير إلى اضطهاد هؤلاء من قبل المتعهدين الذين يتولون أمور النظافة،
وفق مناقصات معينة تجريها جامعة دمشق أو تبعاً لاختيار إدارة المدينة الجامعية،
حيث يقول عمال النظافة إنهم لا يقبضون سوى 5000 ل.س شهرياً، أي ما يعادل حوالي 100
دولار أميركي، وهو مبلغ قليل جداً مقارنة مع متطلبات الحياة في العاصمة دمشق، كما
أن هذا الراتب يعتبر من أدنى الرواتب التي يتقاضاها عامل في مدينة مثل دمشق، حيث
تتطلب الحياة فيها مستوى من الدخل المادي أعلى بكثير من المطروح.
-فاطمة (عاملة نظافة)
تبلغ من العمر 20 عاماً، قالت إنها تعمل للمرة الأولى في التنظيف، وقد أكلوا عليها
راتب شهر حتى يظل رهينة لديهم لكي لا تهرب من العمل، وقالت فاطمة إنها تعمل في
وحدة للشباب وتتعرض لمضايقات الطلاب الشباب الذين يعرضون عليها المال مستغلين
فقرها مقابل الرضوخ لهم، وأضافت فاطمة أنها تعرضت كذلك لمحاولات التحرش من قبل
عمال النظافة الآخرين، وخاصة المشرف الذي عرض عليها العمل في البداية مقابل الرضوخ
له، لكنها جاءت عن طريق شخص آخر، وهي لا تعمل إلا بالقرب من أمها التي لا تفارقها.
وستبدو
الأحداث أكثر سخونة مع مغادرة الطلاب للمدينة الجامعية أوائل شهر تموز القادم، حيث
ستجتاح المدينة عدد من ورشات التنظيف للملمة ما تبقى من كراكيب الطلاب والأوساخ
والفوضى التي خلفوها، لكن الوقائع والتجارب السابقة تشير إلى أن الفوضى الأكثر هي
التي تخلقها هذه الورشات، حيث يتركز نشاطها على جمع الغنائم التي نسيها أو أهملها
الطلاب وراءهم، من أدوات مطبخ وكتب وفرشات وغير ذلك، حتى أن بعض عمال النظافة في
السنوات الماضية قاموا بفك صنابير المياه والمصابيح الكهربائية وأقفال الأبواب
لبيعها خارج المدينة الجامعية، ويثير هؤلاء الفوضى العارمة داخل الغرف، ليفاجأ بها
الطلاب الجدد في بداية العام الدراسي التالي، حيث يقومون بإصلاح كل شيء على نفقتهم
الخاصة، بينما يتأخر قدوم ورشات الصيانة حتى نهاية الفصل الدراسي الأول.
وكانت
إدارة المدينة الجامعية في السنوات السابقة قد قررت رفع الضرائب المفروضة على
بطاقة السكن الجامعي من 250 ل.س إلى (3700)ل.س، وذلك لتحسين الخدمات وترميم بعض الوحدات
السكنية القديمة، ولكن الواقع يشير إلى أن عمليات الصيانة لم تشمل سوى جانباً
صغيراً من السكن الجامعي، كما أن المبالغ الضخمة التي تم استيفاؤها من الطلاب لم
تستثمر بالشكل المطلوب في عمليات الصيانة التي شهدت العديد من عمليات الاختلاس من
قبل المتعهدين وأرباب العمل، وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من (19000) طالب
يقطنون في مدينة باسل الأسد الجامعية في دمشق، ويدفعون سنوياً ما يقارب (70300000)(سبعين مليون وثلاثمئة ألف ل.س) وهو مبلغ
ضخم جداً ويكفي لبناء وحدات سكنية جديدة إذا ما تم التعامل مع هذا المبلغ بشكل
أمين.
وبالاقتراب
أكثر من وضع الطلاب، يلاحظ أن الخدمات في الوحدات السكنية لا تساعدهم على العيش
بأمان وتأمين الاستقرار اللازم للدراسة والتحصيل العلمي، ففي كل جناح هناك سبعة
غرف، وفي كل غرفة سبعة طلاب أي حوالي 49 طالبا، هؤلاء جميعاً لهم مطبخ صغير واحد
لا يوجد فيه سوى مجلى واحد ويكون متسخاً في أغلب الأوقات، ولعل الصورة تعبر عن حجم
المأساة التي يعانيها الطلاب، كما أن الأوساخ تتراكم فوق سطح مكتبة الدراسة وفي
الممرات والشوارع، مما جعل العديد من الطلاب يختارون سطح الوحدات السكنية مكاناً
للدراسة، خاصة مع ارتفاع الحرارة وعدم وجود مراوح في الغرف السكنية، وهو ما يثير
الاستغراب، فكيف يعيش سبعة طلاب في غرفة واحدة ومع هذه الحرارة الشديدة دون
مروحة!! كذلك فإنك تلاحظ إهمال ورشات الصيانة لمخلفات أعمالهم، فكلما قاموا بإصلاح
شيء تركوا الأوساخ والأبواب المكسرة والزجاج في أماكنها ورحلوا دون تنظيف المكان،
كما لوحظ أن العديد من الطلاب ينامون خارج غرفهم بسبب الحرارة الزائدة، وجدير بالذكر
أن الطلاب ينامون فوق أسرة حديدية عسكرية، وذلك لأن معظم مستلزمات السكن الجامعي
تابع لوزارة الدفاع، فالأغراض التي تعطى للطلاب الجامعيين هي ذاتها التي تعطى
للمجندين في الجيش السوري! ويقوم الطلاب بنشر ثيابهم المغسولة فوق أحبال يخترعونها
بأنفسهم -والحاجة أم الاختراع- لكن البعض منهم يستخدم كابلات الكهرباء لنشر الغسيل
وهو ما يشكل خطراً جسيماً عليهم، كما أن تعطل المصاعد بصورة مستمرة وشبه يومية
يعيق عمل عمال النظافة، فلا يستطيعون حينها إنزال براميل القمامة من الطوابق
العليا بدون مصعد فتبقى الأوساخ متراكمة لأيام لحين إصلاح المصعد.
ويقوم
الطلاب في نهاية العام الدراسي بتسليم جميع المعدات التي كانوا استلموها في بداية
العام الدراسي، وتكون عملية التسليم فوضوية للغاية، والازدحام سيد الموقف حيث
يتصارع مئات الطلاب على حجز أماكن لهم في طابور التسليم، وتغلق معظم الوحدات السكنية
أبوابها بينما تبقى بعض الوحدات مفتوحة لطلاب التعليم المفتوح الذين تبدأ
امتحاناتهم بعد انتهاء امتحانات التعليم النظامي والموازي.