يكافح الشعب السوري بجميع طبقاته الاجتماعية في سبيل
استمرار حياته بسلام وتأمين لقمة العيش بعيداً عن منغصات الحياة وما أكثرها، وإذا
كانت الدراسات والإحصائيات الأخيرة وحتى شبه الرسمية منها ومن خلال وسائل الإعلام
المحلية تشير إلى أن 10% من الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر فإن أكثر من 90% من
الشعب السوري يعيشون من وراء مشاريع صغيرة يتكفلون هم فقط بإدارتها سواءً خارج
أوقات دوامهم الرسمي إذا كانوا موظفين أو كانوا متفرغين للعمل في هذه المشاريع،
وتتميز هذه المشاريع الصغيرة بأنها لا تحتاج إلى الكثير من رأس المال ولا تحتل
حيزاً مكانياً كبيراً إذ تتركز معظمها فوق بسطات صغيرة لحمل المواد الاستهلاكية
بينما ينحاز البعض الآخر إلى حمل بضاعته بيديه لسهولة الحركة من جهة ولتمكنه من
الهروب من مكافحة التهريب أو شرطة البلدية وما إلى ذلك من جهة أخرى.
وتنتشر البسطات الصغيرة لتشمل معظم مناطق العاصمة دمشق هذا
عدا عن انتشارها في الأصل في جميع المحافظات السورية، وأكثر المناطق والحارات التي
يتمركز فيها هذا النوع من المشاريع هي المناطق الشعبية والسياحية التي يكثر فيها
التواجد السكاني والحركة حيث تعتمد في غالبية الأوقات على الزبائن عابري السبيل
الذين يمرون مرور الكرام ويشترون ما يحتاجونه بغض النظر عن البائع الذي يكون له
أهمية في الحارات التي تتعامل مع المحلات التجارية حيث يكثر البيع بالدين..
وتختلف أنواع البضاعة التي يتم بيعها بشكل كبير بين بائع
وآخر كما تختلف أنواع البسطات، فمنها البسطات الصغيرة جداً والتي لا تحتوي على نوع
معين من البضاعة حيث يضع البائع ما توفر لديه من الأدوات دون أن يجمع بينها أي
تشابه أو أن يكون لنوع ما من بضاعته علاقة بالنوع الآخر، فغالباً ما تجد مثلاً
حذاء نسائي وبجانبه نظارة رجالية وبجانبهما إبريق شاي أو دفتر مدرسي ولعبة للأطفال
ومروحة هوائية قديمة، وتكون جميع هذه المواد مستعملة أو قد تجد بينها مواد جديدة،
وتنتشر مثل هذه البسطات في سوق الحرامية، حيث غالباً ما تكون مسروقة، وأحياناً
يكون البائع قد أحضرها من منزله بعد أن أعلن إفلاسه أمام متطلبات الحياة ليضطر إلى
بيع أغراض منزله، وهؤلاء البائعين لا يدلون بأية تصريحات للصحفيين أو حتى للمارة
من الناس لأنهم يخشون شيئاً ما لا نعرفه، وغالباً ما يخشون الشرطة بشكل أو بآخر،
وهم لا يملكون أية مبالغ لإعطائها لموظفي البلدية الذين يباغتونهم ويصادرون البضاعة
كاملة على حين غرة.
وهناك أنواع من البسطات التي تحتوي نوعاً واحداً من
البضاعة، كبائع الجوارب أو العطور أو الحلوى، أو المياه أو نوعاً واحداً من ألعاب
الأطفال أو نوعاً من الأدوات المنزلية وغالباً ما تكون للمطبخ...، وتكثر مثل هذه
البسطات في دمشق بالقرب من سوق الحميدية وذلك للفت انتباه السياح الأجانب الذين
يحبون اقتناء شيء يخص البلد الذي يزوروه، وكذلك الأطفال لقدرتهم في التأثر على
أهاليهم، أما من يعمل في هذه الصنعة فينقسمون إلى عدة أقسام، منهم الموظف الذي
يعمل خارج أوقات الدوام كمحاولة منه لرفع مستوى دخله وتأمين متطلبات الحياة،
والتقينا منهم (محمود.م) بائع الثياب الولادية الخفيفة بالقرب من سوق الحميدية حيث
يعمل كمستخدم في مدرسة ابتدائية وبعد دوامه يعمل كبائع للثياب، ويتفرغ لعمله كبائع
في العطل الرسمية وخاصة في عطلة الصيف التي تكون طويلة، ويقول محمود إنه قام بسحب
قرض من الحكومة لشراء بضاعته وأنه يبيع في اليوم الواحد بحوالي 1500 ليرة سورية
حيث تكون نسبة الربح عادة حوالي 40% وتتضاعف الأرباح أيام العيد..
ويختلف المردود المادي بين هذه البسطات ولكن تنحصر في إطار
ضيق حيث لا يمكن لهذه الأنواع من المشاريع أن تساعد صاحبها في الارتقاء إلى مستوى
من المعيشة أفضل مما هو عليه، وأكثر البسطات فائدة هي بسطة الدخان، والمواد
المهربة مثل الكهربائيات التي يتم تهريبها غالباً عن طريق لبنان ثم عبر الحدود
الترابية إلى سورية بعد استمالة حرس الحدود (الهجانة) ويلاحظ كثرة وجود البائعين الأطفال
وغالباً ما يكونون متفرغين للعمل، وهو ما يشير إلى ازدياد نسبة عمالة الأطفال
وبالتالي الأمية والانحراف خاصة إذا ما علمنا أن معظم هؤلاء الأطفال يتعلمون من
متشردي الشوارع التدخين وتناول المشروبات الكحولية، وفي بعض الأحيان التهريب
والمخدرات، والقليل من هؤلاء الأطفال يعمل على حسابه الشخصي الخاص، مثل (شفان)
الذي يجلس بالقرب من ميزان صغير يزن الناس به أنفسهم مقابل مبلغ صغير من المال،
ويقول شفان إنه قدم من القامشلي مع عائلته للعمل في دمشق، وقد استأجروا منزلاً في
منطقة وادي المشاريع بمبلغ ستة آلاف ليرة سورية، وهو يساعد عائلته بهذا العمل حيث
تكفّل بدفع أجار المنزل من عمله الذي يوفر له شهرياً حوالي ستة آلاف وخمسمائة ليرة
سورية، أما المشاريع التي يعمل فيها أناس ولا تعود إلى ملكيتهم الشخصية فهي أكبر
من المشاريع العادية لكن ريعها في الغالب يكون أقل بسبب استحواذ صاحب البسطة على
النسبة الأكبر من الأرباح، وتنتشر مثل هذه الأنواع من البسطات في الكراجات ومواقف
الباص وتعتمد في الدرجة الأولى على العساكر المجندين الذين يشترون حاجياتهم التي
تكفيهم لأسابيع من هذه الكشكات أو البسطات، ويشتكي العاملون هنا من الاستغلال
المادي الكبير الذي يتعرضون له حيث لا يحصلون إلا على مبلغ صغير جداً أمام فترة
الدوام الطويلة، فعبد الله طالب شريعة في السنة الرابعة يقول إنه يعمل من الساعة
الثامنة مساءً وحتى الساعة الثامنة صباحاً بمبلغ ثمانية آلاف ليرة سورية شهرياً،
على الرغم من أن الأرباح تقدر بعشرات الآلاف يومياً، ويضيف عبد الله أن صاحب
البضاعة ضابط برتبة عقيد في الجيش، وهو يقوم بتوظيف طلاب الشريعة فقط لأنه يثق بهم
أكثر من غيرهم على اعتبار أنهم طلاب شريعة ويتجنبون السرقة والحرام.
كما يلاحظ انتشار المعاقين في هذه المجالات من العمل،
ويعمل هؤلاء في بيع المواد خفيفة الحمل وغالباً ما يكونون على دراجات خاصة
بالمعاقين أو يكون هناك شخص ما يساعدهم في التنقل، وفي سوق الحميدية وجدنا معاقين
عديدين منهم بائع البالونات للأطفال وبائع المحارم اليدوية وبائع الدخان وهو شاب
ضرير، وقد قال لنا إنه كثيراً ما يخطئ في معرفة العملة وكثيراً ما يكذب عليه الناس
حيث يعطونه ورقة نقدية من فئة الخمسين ليرة سورية ويدعون أنها من فئة المئتين أو
الخمسمائة، فيتعرض للنصب، ولكنه مستمر في عمله لأن فوائد الدخان جيدة وعمله لا
يكلفه جهداً عضلياً كبيراً.
كما إن العديد من عناصر الأمن يقومون ببيع أدوات بسيطة في
الأسواق المكتظة وذلك ضمن متطلبات عملهم التي تفرض عليهم العمل بين الناس ليراقبوا
الأوضاع الأمنية عن قرب، ومنهم بائع المسدسات المائية للأطفال، وبعض بائعي
الجوارب، وقد التقطنا صورة لأحدهم، ولاحظنا من بعيد فجاء يطلب مسح الصورة، وقد تم
له ذلك دون أية إشكاليات، ويكثر هؤلاء لدرجة أن أعدادهم تفوق أعداد البائعين
الآخرين، ويعرفم الكثير من الناس ويتعاون معهم البائعون الآخرون الذين يعرفونهم
بصورة سرية، ولا يتحدث عنهم أحد، ولا يدعي أحد أنه يعرفهم..
كما يكثر البيع عند النساء اللواتي غالباً ما يعملن لتأمين
لقمة العيش إما بسبب كثرة الأولاد أو بسبب وجود عاجز (معاق) في المنزل، كما هو
الحال بالنسبة لأم علي التي تبيع الأدوات المنزلية وتأتي يومياً من بلدة صغيرة
تدعى (مراح) في ريف دمشق يقطنها التركمان، ويعمل معظم شباب هذه البلدة في (البويا)
وهو تنظيف الأحذية وتلميعها، بينما تعمل النسوة في البيع، وكل ذلك يتم في العاصمة
دمشق والانتقال يوميا في الجو الحار جداً لأكثر من ساعتين يقضونها في الباصات.
وتحدث مشكلات كبيرة بين محافظة دمشق وشاغلي الطرق من أصحاب
البسطات، حيث تقوم المحافظة يومياً بتنفيذ حملات لإزالة ما تدعوه بإشغال الطرق على
جانبي الأسواق وتشمل هذه العمليات مصادرة البسطات وإزالة واقيات مطرية يستخدمها
الباعة المتجولون، ويقابل الباعة هذه الأعمال بالاستنكار، وكثيراً ما تحدث مصادمات
وعراك بالأيدي والعصي بين شرطة المحافظة وبين الباعة، ويقول الباعة إنهم يتكبدون
خسائر فادحة تقدر بعشرات الآلاف في كل مرة تقوم فيه المحافظة بمصادرة محتويات
بسطاتهم، ويقول سليم (بائع خضار):
-"إن ما صودر مني
مرة يعادل دخل أسرتي شهراً كاملاً" وأضاف"بدلاً من أن تنظر الدولة في
حال الفقراء، تقوم بمصادرة مصدر رزقنا الوحيد"
ويطالب الباعة الجوالون المحافظة بتأمين سوق خاصة بهم
لممارسة نشاطاتهم التجارية بسلام، أو تأجير الأرصفة لهم مقابل رسم إشغال سنوي،
مشيرين في الوقت نفسه إلى أن العديد من أصحاب المنازل المطلة على الشارع قاموا
بتحويل غرف في منازلهم إلى محلات تجارية وتأجيرها بشكل مخالف للقوانين دون أن
يتعرض لهم أحد.
وتقول محافظة دمشق إن ما تقوم به مديرية الخدمات من إزالة
لإشغالات الطرقات هو "عمل قانوني" فمن غير المقبول تعدي الباعة على كامل
الطريق، على اعتبار أن تساهل المحافظة في قمع هذه الظاهرة فيما سبق ساهم في تفاقم
المشكلة.
ولا تعتبر هذه المصادرات والإجراءات الحكومية كافية للتخلص
من البسطات المخالفة حيث يعود الباعة دائماً بعد مغادرة عناصر المحافظة ويباشرون
أعمالهم من جديد وكأن شيئاً لم يكن، فطالما هناك محتاج وفقير في هذا الوطن سيكون
هناك وسائل لكسب الرزق لا تتناسب مع القوانين التي تصر على استمرار الجوع.