آلاف الضحايا قدمها الطرفان و
الخسائر المادية لا تحسب. خمس و عشرون عاما من الحرب و الدم لون آلام مئات ثورات
الماضي و كل خطط التصهير و التطهير و التتريك لم تنتج إلا في المزيد من الدم.
الأمر أصبح شبيها بالجلوس على فوهة بركان نشط لا يعلم أحد متى ستكون لحظة
الإنفجار. الطرفان ينظران إلى بعضهما الآخر جريحين, غاضبين, تعبين, تفوح منهما رائحة
الإنتقام. إما الإعلام فقد استخدمه الدولة مضخة لتعبئة حوض العنصرية و الفاشية و
عدم قبول الآخر. سيطر على كل مكنة إعلام عناصر حرب العصابات الذين لا يهمهم سوى
جيبهم الذي لا يملأ و في أعلى الهرم شخصية هشة تديرها أحد عناصر هذه العصابات.
في اسطنبول كنت ترى الناس يجرون
في الشوارع دون أن تمييز في ملامح وجههم الشعور بالخطر الذي اختفى خلف غيوم المستقبل.
هنا الكل لا يهمه في الصباح إلا الوصول إلى عمله مبكرا, مشغول في البحث عن حجة يقنعون
بها رب عملهم عن سبب تأخيرهم و يعودون في الساعات الليل منهمكين لا بشغل بالهم هذه
المرة سوى السرير. هذا ما كنت تراه في الشارع عامة أما بين المهتمين بالشأن
الداخلي كنت ترى فيهم الخوف من يوم جديد. جنكيز كابماز صحفي يقوم بالتغطية
الإعلامية لتصريحان قائد الحزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان كان قد قال لي
قبل شهرين فقط أن الوضع الداخلي يزداد خطورة و من المتحمل أن تنشب حرب أهلية بين
الكرد و الأتراك إذا لم تتعمد الدولة التركية إلى وضع حل للقضية الكردية في تركية
و أضاف إن الطرفان قدما آلاف الضحايا لذا الوضع قريب من الإنفجار.
أما في آمد (دياربكر) فقد كان
الوضع مختلفا قبل أشهر قليلة. كل يوم كان الآمديين يستيقظون على أنباء جديدة
لإنتهاكات حقوق الإنسان و كنا هناك في 15 شباط المنصرم و رأيت الكثير من الاحداث
بأعيننا. الشرطة و جيش حفظ النظام و الاستخبارات السرية كانوا يقفون في زاوية كل
شارع, حتى على بعد كل خمسين متر. و الآمديون كانوا خائفون و ربما كان أحدهم قد
اشار لهم بأضبعه إلى علامات الخطر في عيوم المستقبل. قفد قالت ريحان يالجن داغ (
محامية الدفاع عن حقوق الإنسان في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) إن العنصرية
أصبحت في مستوى لا يطاق و الكثير من الأطفال و الرجال و النساء هنا في السجون
لمجرد أنهم رفعوا أصابعهم للدلاة على إشارة النصر. أكدت ريحان يالجن داغ أنها من
الذين اشرفوا شخصيا على تشريح جثة أحد الشباب الكرد الذي ماتوا على يد القومين
الاتراك في مدينة كوجه علي القريبة من اسطنبول. و ذكرت لنا إن هذا الشاب قتل لمجرد
أن القومين الاتراك عرفوا أنه يستمع لموسيقا كردية من جهاز MP3 و كانالشاب
قد رجم بالحجارة حينها.
أما محرم إربي (رئيس فرع آمد لرابطة حقوق
الإنسان) علق على الوضع قائلا:"نحن نعمل جاهدين للتقرب بين العشب الكردي و
التركي و لكن الدولة التركية و ايضا الإعلام التابع لها يقف في الإتجاه
المعاكس"
اتجهنا إلى فرع آمد للحزب
المجتمع الديمقراطي الموالي للكرد في اليوم التالي و كان في استقبالنا بقايا
القنابل الدخانية و الحارقة و الدم قبل أعضاء الحزب. إذ كان في اليوم الذي وصلنا
فيه المدينة احتجاج بالذكرى السنوية لاعتقال قائد الحزب العمال الكردستاني عبدالله
أوجلان و كانت الشرطة التركية و قوات حفظ النظام قد تدخلت لوقف الاحتجاج بكل
الوسائل.
فيما بعد حدثت الكثير من التصادمات بين القومين
الاتراك و بعض الكرد و في كثير من الاحيان بين الجيش التركي و الحزب العمال
الكردستاني الذي كان قد أعلن وقف إطلاق النار الأحادي الجانب منذ فترة طويلة.
بداية الخروج من الدائرة
المغلقة:
في فترة إنتخابات الإدارات
المحلية في تركيا قام الحزب الشعب الجمهوري باختيار كمال كلج دار أوغلو ليكون مرشحها
في السباق الانتخابي على كرسي عمدة اسطنبول كان ملفتا للنظر. فـ كمال كلج دار
أوغلو الذي ينتمي في الأصل إلى مدينة ديرسم(تونجلي) و تلك الشخصية التي لا تنكر
اصلها الكردي لم يكن كغيره من الشخصيات التي كان الحزب يختاره عادة. إلا إن
المفاجئة كانت فقدان كلج دار أوغلو الانتخابات بفارق بسيط- اتهم حينها حزب الشعب
الجمهوري حزب العدالة و التنمية الحاكم بعمليات التزوير في صناديق الاقتراع في
اسطنبول و أكدت إنه لولا عمليات التزوير هذه لكان الحزب قد فاز ببلدية اسطنبول-
الذي شكل الصدمة الحقيقية للحزب العدالة و التنمية. و هنا كان واضحا إن اللعبة
السياسية كانت قد تغيرت و كان من الواضح إنه الحزب الشعب الجمهوري يستعد لمرحلة جديدة
و على وعي بأن أوراق اللعبة ستتغير كليا في تركيا.
أيضا في الانتخابات المحلية
الخسارة الفاضحة التي تعرض لها الحزب العدالة و التنمية في بعض الولايات مثل سيرت,
وان. اغدر و أنتاليا شكلت الصدمة للحزب و جعله يعيد النظر في سياساته الداخلية.
إضافة إلى ذلك استطاع الحزب المجتمع الديمقراطي الموالي للكرد أو الجناح السياسي
للحزب العمال الكردستاني أن يزيد أصواته مئة في مئة و رفع عدد البلديات التي حصل
عليها من 58 إلى 99 بلدية.
أدى تراجع في نسبة الاصوات التي
حصل عليها حزب العدالة و التنمية في المنطاق الكردية و فوز حزب المجتمع الديمقراطي
في المناطق الكردية الحيوية إلى إعادة برمجة الحزب العدالة و التنمية ذاته بالنسبة
للقضية الكردية.
كان وضحا أن أمريكا كانت على
علم بمستقبل تركيا و الشرق الأوسط لذا كان لمشروعها بعنوان إحباط الصراع على
كردستان (كنا قد نشرناه في ثروة حينها) صداه الإعلامي جعل صناع القرار في تركيا
يعيدون النظر في سياساتهم الداخلية.