بداية لا بد من تعريف واضح ودقيق لجريمة الشرف، بل لا بد
قبل ذلك من إيضاح مفهوم الشرف لدى شعوب الشرق الأوسط بكافة أطيافها وأديانها
ومعتقداتها..
إن الشعوب التي تقطن الدول العربية بصورة عامة ودول الجوار
من اللغات الأخرى وحتى الأقليات ترى في حفاظ الفتاة على بكارتها من أي دنس حتى يوم
زفافها هو قمة الشرف والعلياء، ويعتبر الدنس هو كل علاقة غير شرعية بين ذكر وأنثى
سواء كانا رجلاً وامرأة (متزوجين) أم شاباً وفتاة(أعزبين)، ومهما تمتعت الفتاة بحرية
الحركة واختلطت مع غيرها من شباب عصرها تبقى مسألة البكارة خطاً أحمراً تُقتل إذا
تجاوزته، وبالمقارنة بين شعوب المنطقة يلاحظ انقسام المجتمعات إلى ثلاثة أقسام من
حيث التعامل مع مفهوم الشرف، فهناك المجتمعات المحافظة جداً والتي تمنع اختلاط
النساء بالرجال درءاً للمخاطر التي قد تجلب العار ولعل من أبرز هذه المجتمعات (
السعودية - دمشق القديمة - السودان - اليمن...) وتقل جرائم الشرف في هذه المجتمعات
بسبب قلة حوادث الزنا وما شابه ذلك، وفي القسم الثاني تأتي المجتمعات المنفتحة
والتي أصبحت المرأة فيها قادرة على الخروج والدخول وقت تشاء طبعاً مع وجود بعض
الرقابة لكنها تكون قليلة جداً وضحلة ولا تسبب للمرأة أي ضيق في مجال حركتها ومن
هنا فإن بإمكان المرأة في هذه المجتمعات أخذ حريتها التي تسمح لها بإقامة علاقات
اجتماعية وحتى غرامية خاصة بها، وقد ساعد انفتاح هذه المجتمعات على المجال الطبي
نوعاً من الخلاص الاجتماعي الذي يقيهم من العار فبإمكان الفتاة استعادة بكارتها
التي فقدتها بعملية جراحية لا تكلفها سوى القليل من المال وبالتالي تقي نفسها
تبعات أفعالها وعلاقاتها، و يمكن ملاحظة ذلك في مناطق معينة من لبنان وسورية ومصر
والإمارات والمغرب العربي، وأما القسم الثالث وهو الأهم فتختلط فيه النسوة مع
الرجال في مجتمع ريفي زراعي ويبقى مفهوم الشرف مقدساً ووحشاً يحوم في المجتمع وفي
المقابل تكثر جرائم الشرف بسبب الاختلاط بين الرجال والنساء وفقاً لطبيعة الحياة
الاجتماعية عندهم والتي تتطلب التعاون في العمل وخاصة في الزراعة كون المجتمع
زراعياً.
إن شمال شرق سورية وجنوب شرق تركيا وشمال غرب العراق تعد
المناطق الأكثر تعرضاً لجرائم الشرف، ويعيش في هذه المناطق الغالبية الكردية حيث
المجتمع العشائري الذي يقدس مفهوم الانتماء إلى العشيرة الأم والتي تنقسم بدورها
إلى فروع عديدة، وجريمة الشرف تتلخص في قتل الرجل للمرأة الزانية بدم بارد دون
اللجوء إلى القانون، فيكون الرجل القريب من المرأة سواءً كان زوجها أو أخوها أو
أحد أقاربها يكون هذا الرجل هو القاضي وهو السياف في آن معاً فيصدر الحكم وينفذه
على الفور، وغالباً ما تكون الفتاة قد غرر بها من قبل شاب أو رجل ربما كان متزوجاً
في الأصل، إلا أن الكبت الذي يفرضه المجتمع والدين والعشيرة وكذلك الاختلاط الذي
تفرضه ظروف الحياة الزراعية المعيشية هي عوامل تساعد في وقوع الإناث في فخاخ
الذكور، ويكثر القتل دون حل الزواج لأسباب من أهمها أن عائلة الفتاة لا تقبل
بالزواج حلاً حتى لا يلحق بها العار، وفي كثير من الأحيان يهرب الشاب ويترك الفتاة
إما خوفاً من الموت أو لأنه لا يمكنه الزواج منها لأسباب مادية أو أخلاقية تتعلق
بخصال الشاب نفسه.
ولعل الحوادث الكثيرة التي وقعت في الجزيرة السورية تشير
إلى الأسباب العديدة التي قد تقع وراء جريمة الشرف رغم أن جميعها تلبس لباس الحفاظ
على الشرف والناموس وما إلى ذلك ولكن في الوقت آنه هناك أسباب عشائرية ودينية
وسياسية قد تتستر وراء هذه الجرائم أو قد تكون سبباً مخفياً وغير مباشر يعمل عمل
الجندي المجهول وله دور كبير في وقوع جريمة الشرف، فعلى سبيل المثال تقل جرائم
الشرف عادة بما يدعى بـ (الخطيفة) وهو هروب الفتاة مع الشاب، ثم زواجهما بشكل عرفي
لحين عقد الصلح مع ولي أمر العروس ودفع المهر مجدداً، ولكن يمكن أن تقع جريمة شرف
في هذه الحالة ويقتل ولي أمر العروس ابنته إذا ما كان العريس من عائلة غير مرحب
بها عند أهالي العروس خاصة إذا كان العريس من قومية مغايرة أو من دين مختلف، ولعل
حادثة مقتل الشابة الكردية العراقية(دعاء) هزت العالم وأصدرت ضجة كبيرة حول مسألة
جريمة الشرف، وقتل على أثر هذه الجريمة عشرات الرجال من أهالي العروس من قبل
مسلحين مسلمين، ذلك أن الموضوع خرج عن كونه جريمة شرف، ويمكن تلخيص الحادثة كما
يلي:
دعاء خليل أسود (مواليد 1989 أو 1990 توفيت 7 نيسان، 2007)
فتاة عراقية كردية تنتمي للديانة اليزيدية تعرضت للرجم حتى الموت ضمن ما يسمى
"جرائم الشرف"، يعتقد بأنها قتلت في يوم 7 نيسان، 2007 ولم تظهر القصة
للأضواء حتى تم نشر فيديو، من الواضح أنه صوّر على جهاز موبايل يُظهر عملية الرجم
على الإنترنت.
أفادت بعض التقارير أن دعاء أسود قد قتلت لأنها تحولت إلى
الإسلام من أجل أن تتزوج من فتىً عراقي مسلم سنّي، وهناك نزاع حول حقيقة تحول دعاء
إلى الإسلام، بعض التقارير تشير إلى أن حبيب دعاء المسلم السنّي رفض القول بأنها
قد فعلت ذلك، من جهةٍ أخرى العديد من المصادر تشير إلى أن دعاء قد قتلت عقاباً على
غيابها لمدة ليلة عن بيتها، وقد تم رمي دعاء من فوق بناية سكنية عالية يعتقد أنها
من أربعة طوابق، وبعد ذلك تم رجمها من قبل عدد كبير من الرجال تراوحوا بين ألف وألفي
رجل.
حصلت الحادثة في بعشيقة، وهي منطقة في محافظة نينوى، وقد
تم تصويرها على الهواتف النقّالة وتم نشرها بشكلٍ واسع عبر الإنترنت،ويظهر في الفيديو دعاء وقد تعرضت لتعرية ثيابها
عنها حتى بقيت بملابسها الداخلية، من الواضح أن هذا يرمز إلى أنها قد جلبت العار
لعائلتها ودينهاويُظهر الشريط بعض أفراد
الأمن المحليين، والذين كانوا متواجدين ولكنهم تقاعسوا عن التدخل لوقف الرجم أو
للقبض على الجناة، حسبما ورد.
خلال الرجم والذي دام ما يقارب 30 دقيقة، ظهرت دعاء في
الفيديو تحاول الوقوف وطلب المساعدة بينما يصرخ المتجمعون عليها ويضربونها بقطع
كبيرة من الحجارة الإسمنتية على رأسها ، يصرخ رجلٌ بشكلٍ واضح
"اقتلوها!". وفي النهاية وبينما كانت دعاء تلقي برأسها على الأرض، يتقدم
رجلٌ مجهول ويرمي ما يبدو أنه كتلة إسمنتية (بلوكة) على قفا رأسها.
بعد موت دعاء تم دفنها مع بقايا كلب، ليرمز ذلك إلى أنها
كانت شيئاً تافهاً بلا قيمة، أظهر تشريح الجثة أن دعاء قد ماتت عذراء بسبب تحطم
الجمجمة والعمود الفقري.
وفيما يبدو أنه عمل ثأري، قُتل نحو 23 عاملاً من الطائفة
اليزيدية، يوم 22 نيسان، في هجوم شنه أفراد جماعة مسلحة من الطائفة السنية على ما
يبدو، وأفادت الأنباء أن أولئك العمال وجميعهم رجال كانوا مسافرين في حافلة بين
الموصل وبعشيقة عندما أوقف مسلحون الحافلة وأجبروا العمال على النزول ثم قتلوهم
على الفور، قامت منظمة العفو الدولية بإدانة عملية قتل دعاء خليل أسود وما أعقبها
من قتل أفراد الطائفة اليزيدية، كما أدانت ذلك حكومة كردستان الإقليمية والتي طلبت
من الحكومة الفيدرالية التحقيق في القضية، اعتقلت السلطات في شمال العراق أربعة
أشخاص لهم صلة مع جريمة القتل، وفي نيسان تظاهر المئات من المواطنين العراقيين بعد
مقتل دعاء أسود مطالبين بإنهاء ما يسمى جرائم الشرف.
ويقول الكاتب
العراقي "ناظم ختاري" فيما يتعلق بهذه القضية:
- "إن مقتل (دعاء) بهذه الطريقة البشعة أرعب كل يزيدي
(من الديانة اليزيدية) لسببين: الأول - ليس هناك في تعاليم الديانة اليزيدية
المسالمة ما يشير إلى قتل من يخالف تعاليم الدين اليزيدي رجماً بالحجارة، أما وإن حصل
هذا في بعشيقة وفي قضية (دعاء)، فإنه يعني أن الديانة اليزيدية بدأت تتأثر بما
يجري من حولها من تطرف ديني وما إلى ذلك، وإن مثل هذا الأمر لا يقل خطورة على
مستقبل المجتمع اليزيدي عن التطرف الديني الإسلامي مثلاً على المجتمعات الإسلامية،
فالتعطش للدماء والقتل الهمجي والتدمير تعد من أبرز سمات ذلك التطرف، وهذا ما لا
يتحمله المجتمع اليزيدي، والثاني - عن ما جرى الـتأسيس له منذ سنوات طويلة من قبل
العديد من الناشطين في مجال اليزيدية من
تعريف هذه الديانة بالعالم الخارجي وكسب المزيد من الأصدقاء لأبنائها وتقديم الوجه
المشرق والمسالم لها، إنما وجد إن كل ذلك سينعكس بالضد منه وسيعود إليه بالشر.
وفي الجزيرة السورية تكثر جرائم الشرف كذلك لأسباب عديدة
بعضها طائفية خاصة عند حدوث هروب لفتاة مسلمة مع شاب مسيحي أو العكس، وهناك جرائم
شرف يجب أن تقع بحق الشاب إذا ما كان هناك من يستحق العقاب ولكن في كل الأحوال فإن
معظم جرائم الشرف لا تطال سوى الفتاة الضحية، ويسرد السيد (ماهر. س) حادثة حول
جريمة شرف في مدينة القامشلي قائلاً:
-"هربت فتاة تبلغ
الثالثة عشر من عمرها مع شاب يبلغ الثامنة عشرة من مدينة القامشلي إلى مدينة
عامودا وهناك لجأ الشاب إلى مجرم شاب يدعي أنه عالم دين ويتخذ من مقبرة المدينة
وكراً له، حيث طلب هذا الأخير من الشاب أن يحضر له شاهدين من المدينة ويترك عروسه
عنده، ليغتصبها المجرم ذاك ويهرب، وبعد عودة الشاب وجد ما حصل فأمسك بيد الفتاة
وأخذها إلى حيث تسكن عائلة المجرم وقال لهم"خذوها أنا لم أعد أريدها"
وفي هذه الأثناء علم أهل الفتاة بمكان ابنتهم فجاؤوا وقتلوها"
إن هذه الحادثة وغيرها تشير إلى أن الفتاة لا ذنب لها خاصة
إذا ما علمنا أن المجرم ذاك قد اغتصبها عنوة بعد أن أشبعها ضرباً، والغريب في
الأمر أن المجرم لم يبق في السجن سوى شهر واحد، خرج بعدها وكأن شيئاً لم يكن!!
كذلك قد تلعب مقاطع الموبايل المصورة دوراً كبيراً في
جرائم الشرف، كما حصل مع حادثة قتل الفتاة (سلمى جكرو) من أهالي مدينة الدرباسية
شمال شرقي سورية، حيث أقامت علاقة غرامية مع رجل متزوج وقام هذا الرجل بتصويرها
وهما في وضعية محرمة، ويقال أن مقطع الفيديو انتقل عن طريق الخطأ إلى شخص آخر ثم
انتشر ليصل في النهاية إلى عائلة الفتاة الذين قاموا بقتلها على الفور رغم أن
الضحية كانت لا تزال عذراء..
- يقول السيد إبراهيم.ح (من أهالي الدرباسية) " إن
الانحلال الأخلاقي هو نتيجة من نتائج الفساد الإعلامي من جهة ومن جهة أخرى الفوضى
العارمة التي بدأت تكتسح المنطقة من تهريب للحبوب والمخدرات ونشرها بين شباب الجزيرة
السورية على مرأى من السلطات التي يسرها هذا الشيء، وكذلك البطالة وانتشار الصحون
اللاقطة التي تؤمن المحطات الإباحية وكذلك مقاطع الموبايل، كما أن الإثارة الجنسية
ورغبات الإنسان تتناسبان عكساً مع التربية الدينية والأخلاقية، وهما العاملان
الوحيدان اللذان يمكن لهما في الظروف الحالية أن يردعا الرغبات الجنسية، كما يجب
التركيز على مسألة الوعي والتربية الصالحة حتى نبتعد شيئاً فشيئاً عن العنف ضد
المرأة، أما توقف جرائم الشرف بهذه السهولة فلا أعتقد أنه متاح في الجزيرة السورية
حالياً لأن مسألة الشرف مسألة كبيرة تلحق العار بالعشيرة بأكملها"
وقد أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مؤخراً مرسوماً رئاسياً
حول قانون العقوبات يشدد العقوبة على جرائم الشرف.
المرسوم التشريعي رقم37 للعام 2009 القاضي بإلغاء المادة
548 من قانون العقوبات والاستعاضة عنها بنص آخر و هو:
"يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله
أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم
على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على ألا تقل العقوبة
عن الحبس مدة سنتين في القتل"
وأثارت هذه المادة التي ألغاها المرسوم الجديد جدلاً
واسعاً داخل سورية بعد ازدياد الجرائم التي ترتكب بدافع الشرف. وتشير أرقام إدارة
الأمن الجنائي إلى أن عدد الجرائم التي وقعت في سورية بدافع الشرف وصلت إلى 38
جريمة من أصل 533 جريمة قتل خلال العام 2007. واقترب عدد جرائم الشرف في سورية من
30 جريمة حتى شهر آب من العام الماضي.
إلا أن هذا المرسوم لن يغير شيئاً في طبيعة المجتمع
الذكوري الذي يقرر مصير الأنثى ويمتلكها كما يمتلك العقار والثياب، لذلك لا بد من
اعتبار جريمة الشرف كغيرها من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات، أما
الزنا وانتهاك الشرف فهناك القوانين التي تعاقب المذنبين إذا ما ثبتت التهمة، ذلك
لصيانة القانون وسيادته حتى لا يتحول قانون الدولة إلى قانون للغاب.