الجيش. الجيش يحمي الوطن
بأكمله!، والمواطنين كافة!، ومن سوى الجيش يدير كل هذه الجموع، وحتى المؤسسات
التعليمية والثقافية والاجتماعية لا أحد يديرها سوى الجيش متمثلاً في المؤسسة
العسكرية.. فبالعسكر وحدهم يستقيم المواطن فيبقى الوطن، وبالعسكر وحدهم يبقى
النظام..
عبّر أحد الطلاب عن طبيعة الحياة ككل من خلال مثال بسيط عن
الوضع الأمني في المدينة الجامعية بدمشق قائلاً إن نظام الكون بكامله يمكن أن
يختصر من خلال البابين الرئيسيين للمدينة الجامعية، ففي الباب الأول الذي يطل على
الشارع المؤدي إلى مستشفى المواساة، هناك تشديد أمني صعب جداً، ولا يمكن لأي شخص
غريب الدخول إلا بحيلة من الحيل والتي نادراً ما تنطوي على الحرس، كما أن الحرس
على ذلك الباب لا يتهاونون مع البنات، وغالباً ما تبقى الفتاة التي لا تحمل بطاقة
سكن خارجَ المدينة ريثما تحضر لها زميلتها البطاقة من الداخل، هذا إذا كانت طالبة
نظامية وإذا لم تكن طالبة نظامية فإنها لا تدخل في غالب الأحيان، والزيارات لها
وقت معين..، أما الباب الثاني المطل على كلية الطب البشري فإنه الباب المفتوح
دائماً ويمكن لأي شخص طالباً كان أم غير طالب أن يدخل إليه ويخرج متى أراد ذلك، مع
أن البابين يؤديان إلى المدينة ذاتها لكن الباب الثاني لا رقابة عليه، والحرس
كثيراً ما يكونون نائمين أو غائبين أو يشربون المتة والشاي، ويبتسمون للفتيات ولا
همّ لهم سوى المزاح واللهو مع الطالبات اللواتي غالباً ما يبادلنهم الابتسامة،
ويتم التبديل بين حراس البابين، فتتغير-سبحان الله- نفسيات الحرس بتغير الباب الذي
يحرسون عليه، إذ يشددون على الباب الأول بينما يسترخون على الباب الثاني، باب
نظامي وباب للتسلل، وهكذا هي الحياة برمتها.
تتولى أمن المدن الجامعية في سورية قطع من الجيش السوري،
ففي المدينة الجامعية في المزة بدمشق (على سبيل المثال) هناك عشرات العساكر
السوريون المجندون الذين يؤدون الخدمة الإلزامية وتم فرزهم إلى المدينة الجامعية
لحراستها وهم يقطنون داخل حرم المدينة في غرف خاصة منعزلة عن الطلاب، ويلبسون
لباساً مدنية لكنهم يحملون بندقيات روسية الصنع، تحمل كل بندقية مخزناً من 25
رصاصة، ويتناوبون على الحراسة كل ساعتين ، ويشرف عليهم ضابط برتبة "مقدم
" في الجيش، ويقطن مع عائلته في الجناح الأرضي الشمالي من الوحدة السكنية رقم7
والتي تقطنها الفتيات، وهو كثير التجوال بسيارته وبدلته الرياضية داخل المدينة
الجامعية، وكثيراً ما يتواجد أمام الباب المركزي على طرف المواساة، ولعل ذلك ما
يجعل الحرس على ذلك الباب أشد وأكثر تطبيقاً للقوانين، ويقل أعداد هؤلاء الحرس
صيفاً حيث يتم إرسال بعضهم إلى المعسكرات الجامعية لتولي مهام الأمن هناك.
منظر العساكر المسلح والصلاحيات العديدة التي منحت لهم
والتي تصل إلى إطلاق النيران سبب مشاكل عديدة بينهم وبين الطلاب، فكثيراً ما ينسى
بعض الطلاب بطاقاتهم في الغرف ويخرجون لشراء بعض الاحتياجات من المحلات خارج أسوار
المدينة فيمنعون من الدخول لأنهم لا يحملون بطاقة سكن، وهنا يؤكد الطالب على أنه
من قاطني المدينة دون جدوى ليتشاجر الطرفان وتصل المشكلة في بعض الأحيان إلى تجمع
العساكر على الطالب وضربه ومن ثم إخراجه بعيداً عن حرم المدينة، وقد شهدنا حادثة
شجار بين حراس المدينة الجامعية وبين سائق سيارة حمل صغيرة قال إنه في مهمة داخل
المدينة لكن الحرس منعوه من الدخول لأنه لا يحمل بطاقة مهمة واتهموه بالكذب مع أنه
قال أنه من طرف المقدم، وبعد التضارب بالأيدي وإشباع السائق ضرباً أصرّ الأخير على
الشكوى وبعد جهد جهيد كنا نتابع تفاصيله، تمكن السائق من الوصول إلى مسكن الضابط
المسؤول وشكا إليه ما حصل معه، وهنا قام الضابط بمعاقبة المجند وصفعه أمام عشرات
الطلاب والطالبات في الساحة مقابل الوحدة السابعة.
وتتعرض الطالبات لمضايقات عديدة من هؤلاء العساكر على
الباب الرئيسي، والمضايقات الأكثر إزعاجاً هي تلك التي تكون على الهاتف بعد منتصف
الليل حيث يتوفر لدى الحرس خطوط هاتف أرضية مجانية داخل حرم المدينة فيقوم هؤلاء
باستعمالها دون رقابة طيلة ساعات الليل والاتصال على أرقام غير معينة لغرف
الفتيات، كما يتم استغلال الفتاة غير النظامية أي الراسبة والتي تقطن عند زميلاتها
بصورة غير نظامية حيث لا يحق لها السكن في المدينة الجامعية إذا كانت راسبة، وهنا
تكون مجبرة على مسايرة الحرس لتتمكن من الدخول إلى المدينة والخروج منها.
-جمال.م (طالب طب بشري
سنة رابعة) قال" أنا نزلت إلى المحل بالبيجامة لشراء بعض الحاجيات، وعند
العودة طلب مني الحارس بطاقة السكن لكنني لم أكن أحملها فمنعني من الدخول، قلت له
إنني إذا كنت قادماً من خارج المدينة فهل سآتي بالبيجامة لكنه لم يقتنع واضطررت أن
أتصل مع زميلي في الغرفة لإحضار بطاقتي، حسناً النظام شيء جميل، ولكن أن يطبق على
الجميع لكنني أرى بأم عيني أن الفتيات يدخلن حتى إذا لم يكنّ يحملن البطاقات
السكنية، والحارس غالباً ما يحفظ أشكال الطلاب لكنني أعتقد أنه يتعمد تطبيق النظام
على البعض لفرض شخصيته وإهانة الطالب، مع أنه يرضخ بسهولة بخمسين ليرة سورية
فقط".
أكد مدير المدينة الجامعية السيد محمد حسان الكردي في لقاء
صحفي أنه يعمل جاهداً على إلغاء منظومة حراسة المدينة من قبل العسكر وأنه سوف يعمل
لاستقدام موظفين مدنيين يعملون مقابل راتب شهري ولا يحملون أسلحة، وذلك من الشركات
الأمنية الخاصة، حيث يهتمون هؤلاء بالعمل أكثر ويتعاملون مع الطلاب بصورة حضارية
وأكثر رقياً، وتقل المشاكل، ذلك أن المجند الأمي(لا يحمل شهادة) الذي يتم استقدامه
من الجيش لا يكون مؤهلاً للتعامل مع الطلاب الجامعيين، أو للتعامل مع الطالبات،
وذوي الطلاب
وكثيراً ما يهين الحارس المسلح رجلاً كبيراً بالعمر جاء
لزيارة أحد أولاده، وذلك لأن والد الطالب حينما يأتي من السفر خاصة من المحافظات
البعيدة لزيارة ابنه أو ابنته قد يصل في وقت يكون خارج أوقات الزيارة المسموح بها،
فيفاجأ بأن الزيارة ممنوعة ويبقى منتظراً ولده في الخارج دون أن يسمح له بالدخول
مهما كان كبيراً أو حتى مريضاً.
إن منظر الحارس المسلح لم يكن بالصورة التي هي عليها الآن،
لكن هذا الأمر تعاظم بعد أحداث القامشلي عام 2004 ووقوع بعض الصدامات بين العساكر
والطلاب الأكراد داخل حرم المدينة، ومنذ ذلك الحين فقد تم التشديد على الحراسة على
المدينة الجامعية، خاصة بعد وقوع حوادث عديدة بعضها خطير جداً مثل ورود أنباء حول القبض
على طالب جامعي يحمل قنبلة معه في المدينة، والقبض على طالبة تبيع المخدرات
للطالبات، وقبل أسابيع قليلة قبض على شاب تسلل إلى الوحدة السابعة، وتبين فيما بعد
أنه مجند في الجيش كان قد أغري بمنظر الفتيات داخل المدينة فتسلق السور وانسل إلى
داخل سكن الطالبات ظناً منه أنه سيحصل على واحدة منهن بسهولة على خلفية السمعة
الأخلاقية السيئة التي راجت حول المدينة الجامعية في الآونة الأخيرة، كذلك فقد
تسربت في الآونة الأخيرة بعض القنوات الإعلامية إلى داخل المدينة الجامعية للتحقيق
في سوء الخدمات، والصعوبات التي تعترض الطلاب مما فضح ممارسات المسؤولين وكشف
العديد من جوانب الفساد المالي.
كل ذلك لعله يجعل من الوجود الأمني ضرورة ولكن ليس بالصورة
التي هي عليه من استغلال للطالبات وإهانة للطلاب ومعاملة غير لائقة مع منظر السلاح
الذي لا يتناسب مطلقاً مع الطابع التعليمي بشكل عام والجامعي بصورة خاصة، ولا بد
من وجود موظفين مدنيين على أن يبقى العساكر متوارين عن الأنظار في مهاجعهم ويتم
استدعاؤهم عند اللزوم.