إذا كانت التجارة تحتاج إلى حنكة ودهاء على حد القول
الشائع (التجارة شطارة) فلا يخفى على أحد أن الإمكانيات المادية تلعب الدور
الأساسي في العملية التجارية ذلك أن رأس المال هو الذي يحدد نوع التجارة والربح
الصافي وبالتالي دخل الفرد الذي يأتي كتحصيل حاصل لإمكانياته المادية(فالمال يولد
المال)، وهنا لا بد لصغار التجار من أصحاب المشاريع الصغيرة، أن يحددوا طبيعة
أعمالهم من خلال المواد المتوفرة بين أيديهم، ومن هنا تختلف أنواع التجارة ما بين
صغيرة وكبيرة أو بين معتمدة على المواد الزراعية أو الصناعية أو غيرها، وفي دمشق
حيث تكتظ العاصمة بألوان من طبقات المجتمع السوري نجد أنواعاً من المشاريع الصغيرة
والكبيرة والتي تتنوع وتختلف لتصور كافة فئات المجتمع السوري بطبقاته وعاداته
وتقاليده وموروثه الشعبي الغني بألوان الطيف القروي الزراعي مع شيء من التجديد في
بعض مناحي الحياة.
ففي شوارع عديدة من دمشق وخاصة بالقرب من أسواق الخضرة
يكثر الفلاحون القادمون من محافظات مجاورة للعاصمة (دمشق) وخاصة محافظتي درعا
والسويداء اللتان تشتهران بالمنتجات الزراعية والحيوانية من أجبان وألبان وخضروات،
ويفضل هؤلاء الفلاحون البيع المباشر للزبون على البيع لمحلات الجملة وذلك بسبب
تدني العروض التي تقدمها هذه المحلات، وعادة ما يتفرغ أحد أفراد العائلة لعملية
البيع بينما يواصل الأفراد الآخرون عمليات الزراعة وتربية المواشي، وغالباً ما
تتولى النساء عمليات البيع وربما كان ذلك بسبب انشغال الرجال في أعمال من طراز
الراتب الثابت سواءً كانت هذه الأعمال مع الشركات الخاصة أم مع الدوائر الحكومية.
أسواق الشوارع التي من هذا النوع تتوزع في مناطق عديدة من
دمشق لكن أهم هذه المناطق هي تلك التي تقل فيها الرقابة التموينية ويكثر فيها
الزبائن، مثل (جسر الثورة- البرامكة- المزة مدرسة-الفحامة...) ومناطق أخرى، ونلاحظ
أثناء التسوق الأسعار المرتفعى نوعاً ما والتي يحاول من خلالها الباعة كسب أعلى
معدل من الأرباح، ولكن هذه الأسعار سرعان ما تنزل فور مباشرتك بعملية البازار.
-أم جمال(بائعة)
"أنا أم لست أولاد، آتي من درعا يومياً، أبيع الجوز والتفاح للعامة ولا
أبيعها لمحلات الجملة لأنها تنصب علينا، العامة يدفعون أكثر"
-أم حسن(بائعة ألبان)
" نبيع المنتجات الحيوانية من منتجات أبقارنا، وأنا أقوم بنقل البضاعة يومياً
من درعا إلى الشام بمفردي، والبلدية تضايقنا باستمرار، ولكن لم نعد نراهم منذ
بداية شهر رمضان، وهذا جيد، فرمضان كريم"
ويلاحظ استعمال الباعة لوسائل بدائية للبيع مثل الميزان
البلاستيك الذي يزن حتى خمسة كيلوغرامات والبعض الآخر يكون قد جهز أكياسا بفئة
الواحد كيلو غرام أو الاثنين أو النصف، كما هو الحال لبائعي البصل والثوم والفجل،
والتوابل.
الباعة يبقون في أسواق دمشق حتى ساعات متأخرة قبيل موعد
الإفطار، لطن البعض يظل في العاصمة حتى بعد أذان المغرب حيث تكثر حركة البيع في
المساء، كما هو الحال لأبي كريم بائع الفواكه المجففة الذي يأتي من السويداء
يومياً من الساعة السابعة صباحاً ويبقى في دمشق حتى الحادية عشر مساءً ثم يغادر
بسيارته الصغيرة ساحة الرئيس في جرمانا، وأحياناً جسر الثورة أو الدويلعة ليأتي في
صباح اليوم التالي.
الناس من جانبهم يفضلون الخضار والفواكه والمنتجات
الحيوانية الطازجة التي تأتيهم من المزارع مباشرة دون المرور بمحلات الجملة وربما
بالبرادات الحافظة، وهو ما يشكل عملية رضاء بين البائع والشاري في هذه العمليات
التجارية المباشرة، وبقيت القوانين لترعى هذه العمليات وتحمي حقوق الطرفين لتسير
عملية الحياة بسلاسة أكثر.. ورمضان كريم.