|

خاص ثروة
حسن صالح، سكرتير حزب يكيتي الكوردي في سوريا سابقاً وعضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي حاليا، رفض مصطلح الحرس القديم، وأصبح مجاهداً يمتلك قدرة الشباب وحكمة المشيب في آنٍ واحد، رفض المصطلحات الهلامية والنضال الكلاسيكي، فما كان أن قدم نفسه قرباناً للنضال وأراد تمجيد الحرية.
اللقاء مع حسن صالح كاللعب بسيف ذي حدين، مما يحدو بيَّ إلى أن اتعرف على أعماق هذا الصنديد الذي رفض رحمة أجهزة القمع المرتدية لباس القضاء في مصيرٍ مجهول، يذكرني بقصة الرواقيين النحيفي الجسد والأقوياء في الفكر والإرادة.
1 ـ السيد حسن صالح، سؤال ربما لم تُسأل من قبل، عن اتخاذ قرار أول مظاهرة في سوريا؟ أي مُرٍ دفعكم لاتخاذ مثل هذا القرار؟ أفضل النتائج بأقل الخسائر لم تكونا أنت والسيد مروان عثمان خسارة قليلة، ولكن لأجل القضية يُبذل الغالي والنفيس، فهل كنت سعيدا بهذه النتيجة؟
بداية أشكرك وأنت في ديار الغربة، بعد أن حول الطغاة الوطن السوري وضمنه "كردستان سوريا" إلى أماكن لا تطاق، بسبب محاربة أجهزة النظام للمواطن ، عبر القمع وزرع الفساد والتيئيس، وقطع مصادر العمل وفرصه، ومحاربة شعبنا الكردي في هويته ووجوده ،عبر مشاريع التعريب والتجريد من الجنسية، التبعيث والاستيلاء على الأراضي من خلال مشروع الحزام الاستيطاني. ليس هذا فحسب، بل يمنع الكرد من الاستثمار في مناطقهم التاريخية، ومن تسجيل الأراضي الخاصة بالزراعة، ووصلت العنصرية حتى إلى تسجيل الولادات، بل إن الكرد في منطقة كري كور المعربة إلى تل أبيض يحظر عليهم تسجيل مساكنهم الشخصية بأسمائهم؛ لذا يضطرون إلى تسجيلها بأسماء مواطنين عرب.
أما عن المظاهرة، لقد أثرت مشاعري، وأعدتني إلى ذكريات عزيزة وتاريخية افتخر بها، يوم استطاع حزبنا أن يجمع قرابة مائتي شاب وشابة من مختلف المناطق الكردية، ويقتحم شارع البرلمان السوري، ويرفعوا اللافتات ويهتفون بالحرية، متطلعين إلى وضع حد ٍ للظلم والاستغلال، وحينها علا صوت أحد المواطنين من المارة،) ها قد عاد أحفاد صلاح الدين).
نعم عزيزي، كانت مظاهرة البرلمان خطوة مباركة وجريئة وبداية كسر الجليد، وتسهيل كشف التربة لتضربها الشمس، ويفسح المجال لنمو الغطاء النباتي وظهور الربيع، لا سميا إذا علمنا أن السلطات المتعاقبة منذ استيلاء حزب البعث على الحكم قد حكمت بالحديد والنار، وبالتالي لم يتجرأ أحد على معارضته، وعندما حصلت صدامات بين السلطات والإخوان المسلمين، كان القمع بسفك الدماء دون رحمة، والزج في المعتقلات. كذلك جرى التعامل بقسوة شديدة مع المعارضات الأخرى، لا سميا مع حزب العمل الشيوعي. والتظاهرة العفوية الوحيدة التي حصلت، كانت في نوروز 1986 من قبل الجماهير الكردية في دمشق. وفي اليوم التالي 22 آذار في مدينة قامشلو، وكان لي الشرف في التخطيط والتنفيذ بالتنسيق مع قيادة الحزب اليساري الكردي لمسيرة احتجاجية، إثر قمع مظاهرة دمشق واستشهاد المناضل سليمان محمد أمين آدي. (كان حزبنا آنذاك الاتحاد الشعبي متحالفاً مع اليساري والبارتي).
أما عن مظاهرة البرلمان، فقد جاءت بشكل ٍ مدروس، فبعد انتكاسة الوحدة التنظيمية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) في أواخر عام 1996، استطاع عدد من الكوادر والقياديين أن يعيدوا بناء تنظيم جديد يستند إلى رؤية واضحة للقضية الكردية، تتميز بالواقعية والجرأة وتطرح الأمور عبر خطاب سياسي جديد، وتتبنى قولا ً وعملا ً النضال الجاد. وقد توج هذا العمل بعقد المؤتمر الثالث لحزب يكيتي عام 2000. وفي حينه، ادعى البعض أن هذا الحزب بخطابه الجريء إنما يحاول إظهار نفسه فحسب، وسوف لن يتمكن من القيام بأية أعمال تميزه عن باقي أطراف الحركة الكردية. وفعلاً، مضى أكثر من عام ونصف على الإطروحات النظرية للحزب دون أن يقوم بأي عمل نضالي ملموس، علماً أن قيادة الحزب كانت في كل اجتماع تناقش مسألة النضال الميداني وكيفية وزمن التنفيذ.
ومن الواضح أن جماهير شعبنا الكردي كانت تعيش حالة من الإحباط، نتيجة عجز الحركة السياسية عن أداء مهامها التي دونتها في برامجها السياسية. وفي بداية ظهور يكيتي بإطروحاته الجريئة، أبدى الشارع الكردي بعض الإعجاب، ولكنه تدريجياً بدأ يشكك في قدرة يكيتي على ترجمة أقواله إلى أفعال.
أما القشة التي قصمت ظهر البعير، فكانت زيارة الرئيس بشار الأسد لمحافظة الحسكة في 18 آب 2002. حينذاك، وعد الرئيس أمام جمع من الوجهاء وعلماء الدين دعتهم السلطات إلى الالتقاء به، أنه سوف يحل مسألة الكرد المجردين من الجنسية، وقد علق الشارع الكردي، وحتى الحركة الكردية نفسها بعض الآمال على ذلك الوعد العلني، فإذا حلت تلك القضية، قد تصبح مقدمة للبدء بإلغاء المشاريع العنصرية عن كاهل شعبنا، ومن ثم الاعتراف بهويته وحقوقه. بيد أن قرابة شهرين مرا دون تنفيذ ذلك الوعد، وجاءت الذكرى السنوية الأربعون لجريمة تجريد الكرد من الجنسية، وحينذاك بعثت الحركة الكردية بوفد لمراجعة وزارة الداخلية بهذا الشأن، لكن دون جدوى، وفي ذلك الوقت اختلف يكيتي مع الأحزاب الأخرى بشأن نوعية العمل النضالي المطلوب بعد مضي عقود على تأسيس أول تنظيم كردي، وفشل أساليب النضال المتبعة، مثل إصدار النشرات والبيانات ومراجعة دوائر النظام.
ومثل بعض الاحتجاجات البسيطة المتباعدة عن بعضها بسنين طويلةآنذاك، حصل جدل وتشاور ضمن حزبنا، ودام هذا الجدل بضعة أسابيع، ونتج عنه التوصل إلى قرار حاسم ومحدد، وهو القيام باحتجاج ميداني بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان (10-12-2002). لقد كان قرار الخروج إلى الشارع قرارا جريئاً وصعبا ومصيرياً في ظل نظام أمني يرفض الحوار ويمعن في التنكيل وتجاهل حقوق غيره، لذلك فإن التصويت على القرار لم يكن بالإجماع (البعض من قياديي الحزب ذكروا أنه يجب الإعداد الجيد لأي عمل وتوفير الإمكانات المادية والإعلامية، والبعض الآخر طرح مسألة إقناع بقية الأحزاب الكردية حتى يتخذ قرار جماعي..). أما الذين صوتوا لصالح القرار، فكان رأيهم أن القرار بعد اتخاذه يجب عرضه على أطراف الحركة السياسية الكردية والعربية، مع الإصرار على تنفيذه حتى لو بقي الحزب لوحده. أما الإمكانات المادية، فعلينا الاعتماد على الطاقات الهائلة لشعبنا الذي سيدعم بلا حدود أي عمل نضالي صادق. أما الإعلام فمصادره تبحث تلقائيا عن المعلومة وتغطي أي حدث أو عمل احتجاجي فاعل ومؤثر.
كُلفت والرفيق مروان عثمان بالذهاب إلى دمشق للإعداد للعمل الاحتجاجي أمام البرلمان السوري. وفي البداية ذهب الأستاذ مروان لوحده، وأنا مع رفيق آخر قمنا بالاتصال بقيادات كل من الجبهة والتحالف الكرديين لحثها على المشاركة معنا، لكن مواقف هؤلاء كانت على الشكل التالي، (ما تطرحونه مثل من يقدم على رفع حجر ثقيل خارج طاقته - التطورات والظروف الإقليمية والدولية كفيلة بتهيئة أجواء لصالح قضيتنا فلننتظر - سندرس طلبكم ...إلخ).
انتظرنا أسبوعا دون أن نجد جوابا، فسافرت إلى دمشق واشتركت مع الرفيق مروان في نشاط الإعداد للاحتجاج (لقاءات وندوات وحتى اتصالات فردية)، وبعد أن تأكدنا من وجود أناس سوف يشاركوننا في المظاهرة من الكرد المشردين في ضواحي العاصمة دمشق، أجرينا بعض الاتصالات مع القوى السياسية العربية، حيث أبدى الكثيرون تأييدهم لخطوة كهذه، لكنهم امتنعوا عن المشاركة بسبب خوفهم من القمع وترهيب السلطات. وعشية يوم المظاهرة، سعت السلطات الأمنية في الجزيرة، وبإيعاز من الشِعَب الأمنية في دمشق إلى ثني حزبنا عن تنفيذ ما خطط له، عبر طلب فرع حزب البعث بالحسكة من قيادتنا بإيقاف عملها في دمشق مقابل إجراء حوار مع الفرع، لكن قيادة الحزب رفضت ذلك وأصرت على ضرورة حصول حوار مباشر وفوري مع رئيس الجمهورية أو من ينوب عنه من القيادة السياسية، كما بذلت السلطات جهودا أخرى عن طريق طرف آخر ، لكننا صممنا على تنفيذ عملنا المخطط دون تردد مهما كانت العواقب.
لقد اتخذ حزبنا ذلك القرار الصعب، انطلاقا من توجهاته النظرية الجديدة، ومن قناعته أن لحقوق تنتزع بالنضال الجاد، لا سميا وأن وتيرة النضال المعمول بها في الحركة الكردية قد أثبتت عقمها، وباتت جماهير شعبنا تستخف بالحركة وتشكك في مصداقيتها. ومن هنا، كان لا بد من البدء بالنضال العملي وتحمل تبعاته مثل سائر حركات الشعوب الساعية إلى التحرر من كل أشكال الاضطهاد. ومع أن العامل الذاتي لكورد سوريا آنذاك لم يكن مرضيا لنا، كما أن النظام لتوه قد أقدم على وأد ربيع دمشق في مهده وزج نشطاء المجتمع المدني ودعاة الإصلاح في المعتقلات، لكن التصميم والإرادة كانت عالية لدى حزبنا، لا سميا عند القيادة، وبدأ الجميع مخلصين للبرنامج السياسي والموضوعات النظرية، وحريصين على ترجمتها عملياً. أما مسألة التفاؤل بتحقيق نتائج ملموسة ومكاسب عشية المظاهرة، ففي الحقيقة لم نكن نتوقع من نظام قمعي استبدادي أي تجاوب بشأن القضية الكردية، بل كنا نتوقع أن يجري قمع المتظاهرين في الدقائق الأولى، وقد تطلق عليهم النيران، وفي أحسن الحالات يتعرضون جميعاً للضرب والتعذيب والاعتقال. أما معنوياتنا فقد كانت عالية انطلاقاً من إيماننا بعدالة قضيتنا، وحقنا في حياة آمنة وسعيدة وبأن النضال من أجل رفع الظلم ونيل الحقوق من صميم واجبنا مهما كانت التبعات.
2 ـ وهل كنتم تتوقعون هذا النجاح الباهر على الساحة السياسية السورية؟
وعلى أرض الواقع حققت المظاهرة نتائج سياسية باهرة، حيث تصدع حاجز الخوف وغطت وسائل الإعلام النبأ، وتنفس الشارع الكردي والوطني السوري الصعداء من تمكن المتظاهرين من تنفيذ مهمتهم بنجاح، وبخسائر ضئيلة (اعتقالي والرفيق مروان لمدة 14 شهرا). كما أن رئيس البرلمان وأمين فرع البعث بدمشق حاورا وفد يكيتي لمدة نصف ساعة، وناقشا معنا مضمون بياننا الذي وزعناه في الشارع أمام أنظار السلطات، وتعهد عبد القادر قدوره بنقل مطالبنا إلى القيادة السياسية، حيث طلبنا من النظام الجلوس إلى طاولة الحوار مع ممثلي الحركة السياسية الكردية لحل كافة القضايا، لكن النظام كعادته لجأ إلى المناورة والقمع.
3 ـ السيد حسن صالح، المعتقل هو استراحة المناضل؛ هل تستطيع أن إخبارنا عن عملية القرصنة التي تمثلت باعتقالك أنت والسيد مروان عثمان لدى وزير الداخلية "علي حمود"؟ كيف مرت أشهر المعتقل؟
بينما كنا في دمشق نشرح للشارع الكردي وقائع ونتائج المظاهرة علمنا أن السلطات الأمنية في الجزيرة استدعت اثنين من أبنائي (جهاد وسيامند) وشقيق مروان واستجوبتهم، وخلقت جواً من الرعب، وبنفس الوقت طلبت منا شرطة دمشق أن نقابل وزير الداخلية وهذا لم يحدث، ذلك أن قائد الشرطة حولنا مباشرة إلى شعبة الأمن السياسي بالمزة ثم حولونا إلى فرع الفيحاء بدمشق حيث العميد علي مخلوف المعروف بالقمع وبالتنكر لحق الشعب الكردي في الحياة مثل بقية الشعوب.
لقد حمدت الله لمجرد أننا أدينا أول عمل نضالي، وفي قلب العاصمة السورية، وأثبتنا للجميع أننا جادون، وأننا نخوض معركة نضالية طويلة، وأن عهد الخنوع وانتظار الفرج من المجهول قد انتهى، وأن الإنسان الكردي لا يخاف من عناصر أجهزة القمع، وأن صاحب الحق سلطان. ومما زاد من فرحتي هو ما لمسته من التأييد والإعجاب والاحترام داخل فرع الفيحاء، وفي فرع قابون للشرطة العسكرية، وفي السجن المدني بعدرا، وفي الجناح الخاص بالمعتقلين السياسيين. كان الجميع يقدروننا، سواء من الكرد أو غيرهم، ويقولون (إننا نرفع رؤوسنا بعملكم النضالي الرائع، وبنفس الوقت نشعر بالخزي والعار لكوننا اعتقلنا لإقدامنا على أعمال غير مشرفة -سرقة- قتل - مشاجرات - مخدرات - أعمال غش أو احتيال أو تهريب ...إلخ).
في فرع الفيحاء طلب منا أن نكتب عن أسباب المظاهرة ووقائعها وأهدافها، فشرحناها بالتفصيل بدون أي تردد، وحذرنا السلطات من تبعات الاستمرار في تجاهل حقوق الكرد كشعب يعيش على أرضه التاريخية، واعترفنا بصراحة بأننا من القيادة السياسية لحزب يكيتي (كان سكرتير الحزب وقتها المناضل عبد الباقي يوسف)، كما سردنا تاريخنا النضالي المشروع ضمن صفوف الحركة السياسية الكردية، وزج بنا في غرف جماعية مكتظة جداً بالمعتقلين، وفي أوضاع سيئة جداً. وكذا الأمر، كان في فرع القابون. وكان التدخين والاتصال ممنوعا، لذلك عندما كان المولعون بالتدخين يحصلون على سيكارة من أحد السجانين كان جمع من المعتقلين يهرعون إلى طلب منحهم سحبة دخان ولو لثوان، وهذا كان مهينا للكرامة؛ ولاحظت أمرا مقرفا، وهو أن البعض كان يحصل على السكائر عن طريق الشراء من بعض المعتقلين الذين قبل دخولهم تمكنوا من جمع بضعة سكائر بلفها بقطعة نايلون شفاف وتصميمها على شكل مخروطي (كانوا يسمونها الصاروخ) ويبتلعها شخص ليقوم داخل غرفة الاعتقال بالتقيؤ، ثم بيع كل سيكارة بخمسين ل.س، لذلك كان البعض يأبون بأنفسهم عن تدخين مثل هذه السكائر، وبالتالي يصممون على ترك التدخين نهائيا.
4 ـ أول محاكمة لمعتقلين أكراد تكون لها تلك الضجة الإعلامية والسياسية ومواقف مشرفة منكم كانت محطة استراحة للحركة الكوردية والمعارضة السورية عامة، فهل اعتبرتم كبش الفداء للمعارضة أم حطب لمدافئهم الشتوية؟
لقد مكثنا عدة جلسات أمام المحكمة العسكرية، وفي النهاية طلب مني القاضي أن أطلب شيئاً مثل الاسترحام أو نحو ذلك، فرفضت وذكرت أننا قمنا بنضال مشروع، وهذا من حقنا، ونحن لسنا مذنبين مطلقاً. ثم أحالونا إلى محكمة أمن الدولة، حيث جرى اقتيادنا بتقييدنا يداً بيد ورجلا ً برجل، وكل هذا لم يثننا عن الدفاع عن قضيتنا بكل إباء. بعد ذلك نقلونا إلى جناح المعتقلين السياسيين بسجن عدرا، هناك أمضينا نحو شهرين في معزل عن العالم سوى من السجانين الذين كانوا يوصلون الطعام، ولا أظن أننا أصبحنا كبش الفداء لأحدـ لأن هذا هو واجبنا، وفُرض علينا بعد سنوات القمع.
في إحدى الليالي سمعنا أصواتا قوية من إحدى الأجنحة. كان أصحابها يدينون ولاءهم للعراق. وفيما بعد، علمنا أن دول التحالف قد بدأت بمحاربة نظام الطاغية صدام حسين الذي انهار خلال مدة قصيرة.
5 ـ المرض من جهه ـ العمر المديد لك ـ وكبر السن من جهه، ورغم اتهامكم بالقيادي الكلاسيكي؛ من أي نبع كنتم تستمدون قوتكم، وكنتم في وضع غير مرغوب فيه داخل صفوف الحركة الكوردية آنذاك لتطرفكم ـ من وجهة نظرهم ـ ومن المعارضة العربية، نتيجة أفكار جديدة تقدمونها وأطروحات فوق الطاقة؟
لقد كنت والرفيق مروان موضع اهتمام وتقدير من قبل المعتقلين، وكان معظمهم يبدون ارتياحهم من نشاطنا السياسي، ويتمنون أن يتعاظم النضال من أجل جعل سوريا وطنا ديمقراطيا، يزول فيه الظلم ويسود القانون وينتهي التسلط والاستغلال. وعندما سمح لنا بالخروج للتنفس اليومي لمدة ساعة، كنا نتبادل الحوار والحديث حول هموم الكرد والوطن عموما. وقد استفدت من هذا الخروج اليومي من الناحية الصحية، حيث بدأت برياضة المشي ثم الجري الخفيف، ووصلت إلى مستوى قطع مسافة تقدر بحوالي خمسة كيلومترات، وهذه الرياضة لم تكن متوفرة لي في الحياة المدنية خارج السجن بسبب انشغالي بالنشاط السياسي المكثف والمتواصل منذ عشرات السنين. وهكذا تحسنت صحتي كثيرا، لا سميا وأن وضعي النفسي كان جيدا بعد إنجاز أول عمل نضالي جاد لاقى صدى ً حسنا داخل سوريا وخارجها. ومما زاد من شعوري بالفخر والارتياح والتفاؤل، هو مواصلة حزبنا وانضمام أحزاب أخرى إليه للعمل النضالي، وحصول مسيرات ومظاهرات أخرى، بالإضافة إلى التجمعات الاحتجاجية أثناء تقديمنا للمحاكمة.
إنني دوماً استمد العزم والقوة من تجارب الشعوب، وبالأخص من صمود شعبنا الكردي في وجه الطغاة والمستبدين عبر التاريخ، وحفاظه على خصوصيته وهويته، واعتبر أن عيد نوروز (اليوم الجديد ) هو محطة قوية جدا لدفع الشعب الكردي مجدداً إلى توحيد قواه ورفع الظلم عن كاهله واستعادة حقوقه. وفي داخل سجن عدرا - الجناح السياسي - عندما كنت أخرج للمشي والرياضة في أحدى الساحات المحاطة بالجدران العالية والأسلاك الشائكة، لاحظت أن بعض السجناء كانوا يجلبون معهم قطعاً من الخبز ويفتتونها، ويضعونها على أطراف الساحة لتتغذى منها العصافير. فعندما كانت العصافير الجائعة تشاهد الخبز سرعان ما تبدأ بالهجوم عليه، لكنها كانت تتوجس خيفة من وجودنا، غير أن بعض العصافير كانت أكثر جرأة، حيث كانت تصل إلى قطع الخبز وسرعان ما كانت أعداد أخرى تتبعها وتشاركها التهام الطعام، فشبهت هذا الوضع بحالتنا، حيث بعد تجرؤنا على تنفيذ مظاهرة البرلمان، بدأت الاحتجاجات تتتالى، واتسعت دائرة القوى المشاركة في العمل النضالي.
6 ـ ماذا شعرت داخل المعتقلات السورية والفرق بينها وبين الوطن السجين في الخارج؟ هل كان الفساد مستشريا داخل المعتقلات السورية؟
بالتأكيد كان انتشار الفساد في السجن بشكل واسع، إلا أنني لم أشعر بفارق كبير بينه وبين السجن الكبير في عموم الوطن، حيث الفساد والقمع والظلم وتجويع الشعب، ويعيش المواطن محروماً وغريبا في وطنه، بينما قلة من المستبدين المتسلطين الغارقين في الفساد يحظون بكل شيء.
أما في الجناح السادس لسجن دمشق المركزي في عدرا الذي بقينا فيه أكثر من شهرين، فقد كان الفساد مستشرياً، بحيث كان سرير النوم يباع بين السجناء (علما ً أن لكل سجين حق قانوني أن ينام على سرير)، وبالتواطؤ بين بعض المسؤولين الحكوميين في السجن وبعض السجناء، كان يجري استغلال الموقوفين بشكل بشع، كما كانت حصص السجناء من الطعام تصل ناقصة، لأن المشرفين عليها كانوا يسرقونها وينهبونها. كان سجن عدرا مكتظا بآلاف السجناء، ويضم المجرمين والمحتالين، بالإضافة إلى وجود أناس مظلومين وأبرياء، كانوا ضحية أناس آخرين استخدموا نفوذهم وأموالهم واعتدوا على حقوقهم وزجوا بهم في السجن.
7 ـ استلمت قيادة حزب، تحوّل بين ليلة وضحاها من أكبر الأحزاب، وكانت الطامة الكبرى انتفاضة آذار. كيف استطعت التحكم بالحزب بين مطالب الشارع الكوردي الداعي للنضال المستمر وقيود الحزب ـ القيادة ـ وهو مبدأ العقلانية التي يدعونها عادةً؟
بعد خروجنا من السجن يوم 24 شباط 2004 عمت الفرحة الأحياء الفقيرة، التي تضم جماهير كردية تؤمن لقمة عيشها بالعمل اليومي والمتقطع في ضواحي دمشق، وقد أرغمتها سياسة النظام ( تجريد من الجنسية - قطع مصادر المعيشة - ظلم ...) إلى ترك مناطقها الغنية في الجزيرة وكوباني وكرداغ، واندفع الناس إلى حي زورافا للسلام علينا وتقديم التهاني والتضامن ومباركة عملنا النضالي. أما في مشارف مدينة قامشلو، فقد كان الاستقبال حارا وعلا صوت الطبل والزمر، وسرعان ما تحول الاستقبال إلى مظاهرة صاخبة شارك فيها قرابة 20 ألف شخص، وهتفوا بالحرية والخلاص من القمع والظلم. وبصعوبة شديدة استطاع موكب السيارات أن يصل موقع خيم الاحتفاء بقدومنا. وهنا أيضاً خرجنا عن المألوف، واكتظت الخيمة بجموع الناس من كل حدب وصوب. وخلال أيام ثلاثة شهدنا مهرجانا خطابيا، شارك فيه مختلف الفعاليات بما فيها القوى السياسية الكردية والعربية والآثورية، وهذا ما رفع المعنويات وساهم في المزيد من كسر حاجز الخوف.
وبينما كنا منهمكين في استقبال المهنئين ونلمس مساندتهم، تسارعت الأحداث، وحاول النظام إخماد فرحة الكرد، فأقدم على ضربة استباقية ليعيد هيمنته ويفرض الترهيب والخوف من جديد، فأطلق محافظ الحسكة سليم كبول الرصاص الحي والمحرم دولياً على الجماهير الكردية في ملعب قامشلو يوم 12 آذار 2004، لكن هذه الخطة القمعية كانت بمثابة من يفتح ثغرة في جدار سد كبير، حيث خرج الشعب الكردي من صمته، وقام بانتفاضة عارمة سرعان ما امتدت إلى جميع المناطق الكردية، ودلت سرعة انتشارها إلى مدى تراكم الغضب والاحتقان الناجم عن تراكم القمع، والاستبداد، والظلم على مدى عقود.
8- هل استثمرت الحركة الكوردية انتفاضة آذار بالشكل الصحيح لصالح الشعب!!؟
لم تستطع الحركة الكردية أن تستثمر الانتفاضة بالشكل المطلوب، وسرعان ما تباينت مواقف القوى السياسية من تقييم الانتفاضة، فاستغل النظام هذا الواقع، وبدأ بعسكرة المناطق الكردية وحشد قوات كبيرة، ثم استخدم أجهزته القمعية لتقوم بمداهمة منازل الكرد وأحيائهم، وتعتقل الآلاف، وتمارس الترهيب عبر التعذيب الشديد دون رحمة، وصل إلى درجة الضرب حتى الموت. وقد صمد الشباب الكرد وأبدوا مواقف شجاعة فاقت كل التصورات بعد زج أعداد كبيرة في المعتقلات والسجون.
كان من الواجب أن تستأنف المظاهرات لتشكيل الضغط الكافي على النظام لإطلاق سراحهم، ولإعادة النظر في سياسته العقيمة تجاه شعبنا الكردي. وفي هذه الظروف العصيبة، استلمتُ قيادة الحزب حيث كانت الجماهير متلهفة للنضال الفاعل وساخطة على النظام القمعي، غير أن حزبنا عجز عن إقناع الأحزاب الكردية بضرورة القيام باحتجاجات ميدانية، ومع ذلك فأنه بدأ بالإعداد للاحتجاجات أمام محاكم أمن الدولة والمحكمة العسكرية. في البداية كانت التجمعات بعشرات الأشخاص، ثم اتسعت وشاركت قوى سياسية كردية أخرى في العمل الاحتجاجي، لتتحول إلى ظاهرة إيجابية حظيت بالدعم القوي من الجماهير، وشكلت ضغطاً قويا على النظام، مما حمله إلى الإفراج عن آلاف المعتقلين لتجنب حصول انتفاضة أخرى. ومع ذلك، فأن الغضب الجماهيري تجدد عندما جرى اختطاف الشيخ معشوق الخزنوي في 10-5-2005، ثم أعلنت السلطات عن وفاته. وقد كان يكيتي رائداً في الاحتجاج في قامشلو وكوباني ودمشق وفي أوربا، ويوم تشييع الجنازة خرج مئات الألوف إلى الشارع في قامشلو، وحدث ما يشبه الانتفاضة.
في الفترة ما بين مؤتمر يكيتي الرابع ( أواخر عام 2003 ) والمؤتمر الخامس (أواخر عام 2006 ) قاد يكيتي بمفرده أو بمشاركة قوى أخرى قرابة 50 عمل احتجاجي ميداني، مما أكسبه المصداقية في الشارع الكردي. ومع ذلك، فنحن بحاجة إلى المزيد من الأعمال النضالية، طالما أن النظام لم يتراجع عن استبداده، وطالما أن شعبنا يتعرض لسياسة الإنكار والقمع والتجويع والإقصاء.
9 - مدى تعاملكم مع المعارضة السورية؟ وما هو تقيمك للمعارضة السورية عامة والكوردية خاصة؟
عن واقع المعارضة السورية، فهو دون المستوى المطلوب. فطالما أن المعارضة غير مستعدة للتضحية والمواجهة الجريئة سيبقى دورها هامشياً، فإعلان دمشق فقد حيويته لانعدام الأعمال النضالية، لا سميا وأن بيان الإعلان كان يحتوي على نقاط إيجابية وخطاب جريء نسبيا، وتعهد بتحمل تبعات النضال، لكن هذا الطرح تضاءلت مصداقيته، لأنه لم يترجم إلى عمل. ومؤخرا، طرح أصحاب إعلان دمشق مسألة بناء مجلس وطني عام، داعيا بقية الأطراف إلى المشاركة والانضمام. وهنا بعثت لجنة التنسيق الكردي برسالة خطية مفادها أن أطراف التنسيق مستعدة للانضمام إذا جرى تثبيت بند يتضمن الاعتراف الدستوري بوجود وحقوق الشعب الكردي كقومية رئيسية في البلاد، والإقرار بالتعددية القومية والدينية والسياسية في البلاد، لكن الجواب جاء بالرفض وطالب بالحوار. ومعنى هذا، أن المعارضة الداخلية ستبقى ضعيفة طالما أنها لا تتبنى موقفاً مبدأيا من قضية الشعب الكردي ذلك.
إن لجنة التنسيق هي الطرف الرئيسي التي لديها تجربة نضالية في الخروج إلى الشارع دون تردد، وبتوحيد قوى المعارضة على أسس سليمة يمكن تصعيد النضال وتغيير المعادلة لصالح التغيير الديمقراطي في البلاد، ووضع حد لاحتكار السلطة والاستبداد.
أما القوى الكردية خارج لجنة التنسيق فإنها في تراجع. فبينما كانت تشارك أحيانا في بعض الأعمال النضالية، نجدها تنأى بنفسها حتى عن المشاركة في آخر تجمع احتجاجي في قامشلو (5-10-2007) بمناسبة ذكرى تجريد الكرد من الجنسية، وحتى بمناسبة أبداء الرئيس الأسد دعمه للاجتياح التركي لكردستان، فإن هذه الأحزاب امتنعت عن إبداء موقف إدانة مشترك معنا؟!
إن النظام القمعي أصبح أكثر عزلة على كافة الصعد، ويرفض مطلقاً التراجع عن سياساته العقيمة، ومستمر في القمع وكبت الحريات وكم الأفواه واعتقال النشطاء السياسيين ودعاة الديمقراطية والمجتمع المدني. ومع أن نهجه سيؤدي به إلى مصير قاتم، فإنه يخدع نفسه ويتظاهر بأنه قوي ومدعوم من الشعب ومن حلفاء إقليميين، متجاهلا ً حقائق التاريخ وتجارب الآخرين من المستبدين.
أما موقف النظام من القضية الكردية فهو سيء جدا. فحتى الجُمل التي تلفظ بها الرئيس وغيره تجاه الكرد بعد الانتفاضة، ومؤخراً في فترة تجديد رئاسته بشأن مسألة الكرد المجردين من الجنسية بقيت مجرد كلمات في مهب الريح. كما أن النظام يتجاهل حقوق ثاني قومية في البلاد، ويمعن في القمع والاضطهاد وتطبيق المشاريع العنصرية ضد الشعب الكردي، ومستمر في زج القوميين الكرد في السجون (يقبع خمسة رفاق لحزبنا من حلب في سجن صيدنايا منذ مطلع هذا العام دون سبب، كما يقبع عضو اللجنة المركزية لحزبنا المناضل معروف ملا أحمد في فرع الفيحاء بدمشق منذ أكثر من شهرين دون أي ذنب، وهناك أعداد أخرى من الكرد في مختلف المعتقلات والسجون).
10- عدم استقرار المنطقة والوضع السوري على كف عفريت، الوضع الكوردي ومحله من الإعراب في سوريا؟
إن العالم قد تغير، والعولمة حتماً ستغير وبسرعة شديدة، ولن يكون باستطاعة أي نظام استبدادي أن يوقف عجلة التغيير العاصف، وليس أمام النظام السوري سوى إعادة النظر في سياسته والاتعاظ من الآخرين، وعليه أن يجنح للحوار والحلول قبل فوات الأوان، ذلك أن استمرار تعرض شعبنا لمختلف مظاهر القمع والحرمان، وهو يشاهد يومياً على شاشات التلفزة كيف أن المظلومين والمغبونين ينهضون ويقاومون الطغاة ويحققون الانتصارات وينتزعون الحريات. هذا الوضع المحتقن، سيدفع بشعبنا إلى النهوض كما جرى أثناء انتفاضة آذار، وإثر اغتيال الشيخ معشوق.
11- هل مطالب الكورد في سوريا الاستقلال، أم الإدارة الذاتية،أم حكم ذاتي، أم الانصهار بالمجتمع العربي وكفاكم الله شر القتال؟
إن المصلحة العليا للوطن تقتضي وضع حد للحكم المركزي الاستبدادي، والتوجه نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبتبني نظام سياسي لا مركزي يمنح الأقاليم خصوصياتها، لا سيما ما يتعلق بشعبنا الكردي، حيث من حقه أن يدير مناطقه (كردستان سوريا) في إطار الوحدة الوطنية، وبذلك يمكن ضمان ازدهار وتطوير سوريا كوطن حر ديمقراطي يتسع لجميع أبنائه على اختلاف انتماءاتهم.
قامشلو في 27-10-2007
ملاحظة: كان هذا اللقاء قبل الاعتقالات الأخيرة في صفوف إعلان دمشق
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
|