| عن المرأة مجدداً في الواقع المتخلّف |
| Sunday, 19 October 2008 | |
|
مرة أخرى، نجد أن قضية المرأة هي إحدى الإشكاليات
المحورية والأساسية في المجتمعات المتخلفة، لا سيّما منها الخاضعة لمنظومة ثقافية ذكورية
بطريركية يهيمن فيها وعي ديني أصولي. وفي هذه المجتمعات، نرى أيضاً أن غالبية القوانين
الوضعية والشرعية المتعلقة بالمرأة تخدم استمرار سيطرة سلطة الرجل وهيمنته على المرأة.
نسوق هذا علماً أن ثمة ملتقى نّظمه بعض الفاعلين مؤخراً في دمشق، للوقوف ضد ظاهرة ما
يُسمى بجرائم الشرف التي تزداد طرداً في المجتمع السوري.
وقد حضر الملتقى المذكور عدد من القادة
الدينيين (إسلام ومسيحيين) وأرباب الشعائر الدينية، وكذلك كبار الموظفين الحاليين والسابقين
في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فضلاً عن حضور مكثّف لنخبة من أساتذة علم القانون
والاجتماع والنفس. وقد كان من أهم ما تمخّض عن ذلك الملتقى هو إجماع على إدانة ذلك
النوع من الجرائم وضرورة تسخير الفتاوى الدينية بغية إدانتها، وضرورة نشر الوعي الاجتماعي
وثقافة حقوق المرأة في المجتمع.
بالعودة للحديث عن المرأة، يرى الأستاذ
محمد قرة شولي المدرس في قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق: "إن وضعية المرأة عموماً
تختلف بناءً على موقعها الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي، الجغرافي. وهذه العوامل تساهم
نسبياً في تفاوت هيمنة الرجل.
وانطلاقاً مما وصل إليه الأستاذ قرة شولي،
نجد من البداهة أن لا تخضع الفئات والشرائح الاجتماعية لمستوى واحد من التطور، وبالتالي
لدرجة واحدة من التأثر بالمستوى الاجتماعي العام، فدرجة الخضوع أو التأثر بالمناخ العام
تتفاوت حسب وعي الفرد ومكانته الاجتماعية كما تقول البديهيات.
وتأسيساً على ما سبق، فإن المرأة في المجتمعات
الريفية، كما ترى مارلين عجي الاستشارية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل:
"تعاني إشكاليات قد لا تعانيها المرأة في الأوساط المدنية والأوساط الغنية، ذلك
لأن لكل فئة أو شريحة اجتماعية إشكالياتها الخاصة المترابطة في السياق العام مع البنية
الاجتماعية العامة المحددة بالبنية الثقافية والاقتصادية السائدة، متجلية بأشكال محددة
من الوعي الثقافي الاجتماعي، وحتى الوعيين السياسي والثقافي وإلى حد ما الوعي الطبقي
الذي لا يمكننا إغفال دوره".
لذلك نرى، والحديث ما زال للسيدة عجي، أن
المرأة في الأرياف والأوساط الكادحة تشارك الرجل بالتساوي في معظم المستويات والمناسبات.
لكنها تخضع في نفس الوقت لسيطرة مضاعفة من قبل الرجل (أب، أخ، زوج..) خارج المنزل وداخله،
إضافة إلى خضوعها لمجموعة من الأعراف والتقاليد الاجتماعية العامة المقيدة لحريتها
في قضايا الزواج والطلاق والتعليم.
وتضيف عجي قائلة: "إنه يجب التنبيه
هنا إلى أن معاناة المرأة من القهر والتبعية.. تختلف بين ريف وآخر، ذلك بناء على أشكال
المنظومة المذهبية والعادات والتقاليد والقيم المعيارية السائدة، إضافة إلى المكانة
الاقتصادية، الأسرية، العائلية والدينية والمذهبية (المسكوت عنها وعن الفوارق بينها
في مجتمعاتنا).
أما في الأوساط المدينية، كما يعتقد الدكتور
جان رزق (أستاذ في قسم علم الاجتماع): " فإن حجم معاناة المرأة يتأثر بالوضع المادي
والثقافي الذي يحدد درجة خضوعها للمنظومة القيمية الاجتماعية. لكن المرأة في أوساط
الفئات المتوسطة كما هو ملاحظ أكثر قدرة على المشاركة في الحياة العامة واتخاذ القرارات
الشخصية، لأنها تتمتع نسبياً باستقلال اقتصادي عن الرجل، مما يعطيها هامشاً أكبر في
التحكم بآلياتها الدفاعية. إضافة إلى تحقيقها درجات أعلى من التعليم، مما يساعدها على
ضمان مكانة اجتماعية متميزة تمكّنها من تملّك حريتها بشكل أكبر". ويضيف الدكتور
رزق: "وبطبيعة الحال كيلا نقع في مطب الإرادوية، يجب الابتعاد عن تعميم الحالات
الخاصة والفردية على المستوى العام واعتبارها مقياساً معياريا يصلح لكل زمان ومكان
متغافلين بذلك الفوارق الاجتماعية في المجتمع كنتيجة حتمية لتعدد الجماعات المنتمية
إلى هذا المجتمع أو ذاك، واختلافها في عاداتها وتقاليدها وطرق تفكيرها"ً.
أما فيما يخص وضعية المرأة ضمن الفئة
الاجتماعية المهيمنة ذات الامتياز والنفوذ، فإننا نلاحظ، كما يرى قرة شولي، تراجع تأثير
القواعد الاجتماعية والمنظومة القيمية المسيطرة والضابطة لآليات الممارسة الاجتماعية،
وبروز منظومة قيمية ومعيارية خاصة. ويترافق هذا مع توفر إمكانية التحلل المعياري الذي
لم يعد سمة خاصة لفئة محددة، بل أصبح سمة اجتماعية تكاد تكون عامة في ظل سيادة ثقافة
قانون اقتصاد السوق الحر، والانفتاح الفضائي، وزيادة سيطرة وسائل الإعلام التي تساهم
في نشر الثقافة الاستهلاكية والترفيّة والمظاهرية وترويجها، لتتحول المرأة من كائن
إنساني ذي قيمة أخلاقية واجتماعية ترى حريتها في انعتاقها من المنظومة الاجتماعية القائمة
على تكريس الظلم والقمع والاستلاب، إلى كائن استهلاكي مفرغ من مضمونه الثقافي، وسلعة
رائجة ومربحة في أسواق العرض والمنافسة المبتذلة.
لذلك، نرى أن مفهوم حرية المرأة الرائج
حالياً، في هذا السياق تحديداً، لا يقوم على أسس منطقية وعقلانية بقدر ما يتشكل على
أساس شكلاني ظاهري. ويجب التنبه في هذا السياق إلى أن الوضع الاقتصادي ومستوى الوعي
الشخصي يحدد أشكال الاستهلاك وحدّة التأثر بالوعي الاستهلاكي.
كتحصيل حاصل لآراء تلك النخبة يمكننا القول
إنه فيما يتعلق بأشكال وأساليب القهر والاستلاب الذي تعانيه المرأة فإنه يمكن التوقف
عند عدة أنواع من ذلك القهر والاستلاب نوجزهما بـ: 1-الاستلاب الاقتصادي، ويمكن ملاحظته
في القطاعات الإنتاجية والمشاريع الاستثمارية العامة و(الخاصة تحديداً)، التي يتم فيها
استنزاف المرأة واستغلالها إلى أبعد الحدود، وأحياناً توظيفها بأشكال دعائية واستهلاكية
مهينة ومذلة، إضافة إلى وجودها في شروط ومناخات عمل سيئة تتلاشى فيها القيم الأخلاقية
والمعيارية.
2-
الاستلاب العقائدي، تخضع المرأة عموماً للمفاهيم والقيم الاجتماعية
السائدة التي تعيد إنتاجها وإنتاج ذاتها المستلبة، من خلال تربيتها لأطفالها على أسس
المنظومة القيمية والثقافية السائدة الداعمة لاستلاب المرأة وقمعها، ويتم في سياق الممارسة
المباشرة للمنظومة القيمية انتهاك حقوق المرأة والتقليل من إمكانياتها العقلية وتحويلها
إلى بضاعة تُروّج وفق مواصفاتها الشكلانية.
ومن الملاحظ أن المرأة المتحررة والمستقلة
في اتخاذ قراراتها على أسس عقلانية، قادرة على تربية أجيال متجاوزة عقلانياً للمنظومات
القيمية السائدة أكثر من المرأة الخاضعة للمنظومة القيمية والمعيارية المتخلفة. لذلك
يجب تأكيد ضرورة تحرر المرأة من هيمنة البالي من العادات والمفاهيم الاجتماعية المهيمنة،
وهنا نرى ضرورة تأكيد أنه لا يمكن تحقيق حرية المرأة في مجتمع يكون فيه الرجل مقموعاً
ومستلباً في سياق خضوعه لقيم اجتماعية متخلفة، أي أن سيرورة تحرر المرأة والرجل مترابطة
في سياق اجتماعي واحد ومحدد ومترابط إلى حد كبير، ولو على الصعد الشكلانية فحسب!!
ومن هنا تكمن أهمية التكامل الاجتماعي وضرورته
بعيداً عن التركيز على الهوية الجنسية، لأن تحرر المجتمع يعني جميع أفراد المجتمع الخاضعين
لآليات القمع والقهر. ولأن المرأة تتعرض لاضطهاد وقمع مزدوج ومركب، فهي معنية بشكل
أكبر في مواجهة المنظومة القيمية السائدة التي تكرس سلطة الرجل وتشكل مصدراً لقوته
التقليدية. ولهذا فالرجل المعبّر عن القيم السائدة لا يساند التغيير الذي يقود إلى
تقليص مكاسبه الاجتماعية. ومن هنا نرى ضرورة مشاركة المرأة في الهيئات والجمعيات والأحزاب
العلمانية التي تعمل على تغيير ما هو سائد من قيم معيقة لعملية التطور الاجتماعي وتجاوزها.
3-الاستلاب الجنسي: في هذا المستوى تختزل المرأة من كائن إنساني متكامل
على المستوى العقلي والعاطفي والاجتماعي، إلى مجرد كائن جنسي خاضع لشهوانية الرجل،
لتتحول الحاجة الجنسية من حاجة إنسانية إلى حالة حيوانية يمارس فيها الرجل ساديته المقموعة
في المجتمع المتخلف.
إن اختصار المرأة في حدود الجسد يشكل أحد
أوجه القهر والإهانة لشخصيتها الإنسانية في المجتمعات المتخلفة ذات النزوع الاستهلاكية
المبتذلة، ومع الأسف هذا هو واقع الحال لدى غالبية الأطياف التي يتشكّل منها مجتمعنا،
وهو مجتمع متخلّف على الصعد كافة، وربما هذا ما كان يواسينا!
وفي هذا السياق، فإن انتهاك المرأة لا ينحصر
فيما أوردناه بل يشمل تقليص حريتها الاجتماعية والسياسية وانتزاع جميع وسائلها الدفاعية
العقلانية والقانونية المشروعة، لوضعها في حيز ضيق تكون فيه متهمة بالقصور العقلي الذي
يفترض الوصاية، وإنها يجب أن تتحمل مسؤولية جسدها وتدافع عنه، (وما دامت قاصرة وضعيفة
وجاهلة وقليلة دين وثرثارة وغاوية وفق المنظور العام والسائد.. فإنها غير قادرة على
تحمل مسؤولياتها والدفاع عن نفسها لذلك فهي بحاجة إلى رعاية ووصاية الرجل الذي سيصبح
في السياق الاجتماعي مستبداً بالمرأة، والمساهم الأبرز في انتهاك محرماتها التي يطالبها
المجتمع بالدفاع عنها). فالرجل في المجتمعات الذكورية يحاول دفع المرأة لارتكاب الأفعال
المنافية للأخلاق الاجتماعية والقيم المعيارية إرضاءً لنزعاته الشهوانية، وفي الوقت
نفسه يطالبها بالمحافظة على عفتها وشرفها وفق المقاييس الاجتماعية السائدة. هذا التناقض
الذي يقع فيه الرجل الشرقي أحياناً مرده، كما نعتقد، إلى انحسار تفكير الرجل بالمرأة
بوصفها جسداً للمتعة. وبناء على ما أوردناه، فإن انتقاص حقوق المرأة الإنسانية، وتكريس سلطة الرجل القانونية عليها، يدفعها إلى اتباع أساليب دفاعية يفرضها المجتمع الذكوري تتمثل بتوظيف جسدها أحياناً، وضعفها المصطنع بشكل شبه دائم كأحد أقوى الأشكال الدفاعية في ممارسة سيطرتها على الرجل. إضافة إلى ذلك فإنها توظف أمومتها وواجباتها الأسرية في فرض سيطرتها غير المباشرة على الرجل، ويأتي هذا في سياق السيطرة القائمة على التضخم النرجسي المتماهي مع أشكال الثقافة البطريركية السائدة. وقد يكون للحديث بقية. |