| الإعلام والإعلام الأمني في سورية |
| Saturday, 29 November 2008 | |
![]() خاص ثروة استحالت الصورة الإعلامية في سورية إلى واجهة مزينة لصورة النظام القائم لا غير، كما شُوّهت صورة الحقيقة لصالح أنظمة الفساد القائمة، فكيف استطاع النظام حصر السياسة الإعلامية في بوتقته، وكيف تمكن من مصادرة العمل الصحفي في سورية لغاياته الشخصية لا غير، وكيف لم يكن هناك صحفي واحد يثور ضد النظام القائم، على الأقل مثلما وقف ممدوح عدوان ذات يوم في مدرج جامعة دمشق وقال: "لن أعمل في إعلام يكذب حتى في النشرة الجوية!" فهل ثمة نخوة صحفية يمكن أن تلوح في الأفق؟! ربما يشاركني الكثيرون من أنه لا حياة لمن تنادي.. ولكن، السؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة هو: ما هي الوصفة السحرية التي جربتها السلطات الأمنية السورية لتنجح هذا النجاح الباهر في قمع الإعلام وتوجيه الأضواء نحو منجزات الحركة التصحيحية وعملية التطوير والتحديث فقط!! وهل نجحت؟لقد اتبعت الأنظمة الأمنية في سورية عدداً من الخطوات التي تمكنت من خلالها السيطرة التامة على الإعلام السوري الرسمي وبدرجة كبيرة على الإعلام الخاص أيضاً، ولعل من أهم الإنجازات التي حققتها الأجهزة الأمنية في هذا المجال هو توظيف عناصرها الأمنيين في القطاع الإعلامي كمدراء ومراقبين فنيين ومقدمي برامج ومصورين ومخرجين، ولعله لا يمكن في الأساس أن يتم توظيف الإعلامي في مؤسسة حكومية إلا إذا كان بعثياً، أما في الإعلام الخاص فقد أمكن نوعاً ما الاحتيال على الأنظمة الأمنية عن طريق توظيف مستقلين في الطاقم الإعلامي بطرق ملتوية تفرضها الحاجة في أغلب الأحايين.. !! أما الإجراءات التي قامت بها الأجهزة الأمنية في سبيل الحد من عمل الإعلام وإخفاء الحقائق فهي كثيرة جداً وبطرق متنوعة:
من جانب آخر لم يكن التلفزيون السوري ليقدم على تغطية أي حدث سياسي أو عسكري لو لم تتحدث القنوات الفضائية الأخرى عنها، والأمثلة على ذلك كثيرة لعل أهمها الغارة الإسرائيلية على دير الزور وإصابة المفاعل النووي السوري حسب المزاعم الإسرائيلية آنذاك وكذلك مقتل عدداً من الخبراء الكوريين، والذي أدى إلى زيارة وفد عسكري سوري إلى كوريا بعد الحادثة مباشرة. كذلك وقائع اغتيال المسؤول العسكري في حزب الله (عماد مغنية)، إذ حاولت الأجهزة الأمنية آنذاك منع أي جهة إعلامية من تصوير الحادث حتى التلفزيون السوري لم يكن بإمكانه نقل صورة واحدة، لكن الذي فجر القضية هي صور الموبايل التي التقطت من أناس مجهولين كانوا في مسرح الحادث فور وقوعه!! إذاً، كان الهاتف المحمول (الجوال) النجم الأبرز خلال تغطية وقائع حدث اغتيال عماد مغنية، وفي حين غابت صور المحترفين عن شاشات التلفزة والصحف ومواقع وكالات الأنباء، كانت صور ملتقطة بهاتف محمول، نشرت في المواقع الإلكترونية هي الصور الوحيدة للحادثة، مما ذكر بـ«نجاحات» من يسمون بـ«المواطنين الصحفيين» المشابهة خلال السنوات القليلة الماضية، حيث كان الفضل لمواطنين عاديين في التقاط الصور الوحيدة والأولى لكارثة تسونامي، واعتداءات الأنفاق في لندن، ولعل المفارقة هنا هي أنه فيما كان المراسلون غائبين عن موقع الحدث في مثالي تسونامي وأنفاق لندن، فإن عدداً كبيراً من مراسلي وسائل الإعلام العربية والدولية المعتمدين في دمشق ومراسلي وسائل الإعلام المحلية حضروا بكامل عدتهم وعتادهم في موقع الحدث بعد نصف ساعة من وقوعه، إلا أن «الطوق الأمني» حال دون بث صورة واحدة للسيارة المتفجرة، ما عدا الصور التي تم التقاطها بالهواتف النقالة، وأول صور نشرت بعد وقوع الحادث بساعات قليلة، تلك التي تضمنت لقطة بعيدة للسيارة المحترقة وهي ترحل من المكان وصورة أخرى لتحطم زجاج نافذة منزل قريب من الحادث التقطت من الداخل.. وبعد يومين أظهرت قناة (العالم) الإيرانية مشاهد التقطت بالهاتف النقال بعد دقائق من وقوع الانفجار، دون ذكر المصور الذي التقطها أو مصدرها، وفي محاولة لمعرفة المصور نفى المصدر في مكتب قناة (العالم) بدمشق أن تكون الصور وصلت إلى القناة عن طريقه، مرجحاً أن تكون قد وصلت عن طريق بيروت، إلا أن مصدراً آخر في مكتب بيروت نفى أيضاً علمه بمصدر الشريط الذي بثته القناة ونقلت عنه وسائل الإعلام الأخرى وقال «ربما وصلنا من طهران»!! لا شك أن هذا التعامل المتكتم حيال مصدر الصور يعود للحساسية الأمنية العالية والدقيقة لهذا الحدث، إلا أن هذه الحساسية التي راحت تتكرس عالمياً لمنع الإعلاميين من نقل الحدث بالصورة، كرست بالمقابل إعلاماً بديلاً أبطاله من المواطنين العاديين والمواقع الإلكترونية التي تفتح الباب على مصراعيه للمشاركة التفاعلية، ليصبح بإمكان كل حامل موبايل وكل مستخدم إنترنت أن يكون مصدراً للمعلومة كشاهد عيان، وفي ظل تفشي سياسة الحذر التي تتبعها الأنظمة مع الإعلام قد يصبح شاهداً وحيداً. مواجهة للوضع الجديد ماذا فعلت الأنظمة الأمنية في سورية؟ لقد اتبعت مجموعة من الخطوات لمنع المواطنين الصحفيين من ممارسة دورهم كرقابة خارجة عن التوقع، وذلك بإلزام كل مقهى أنترنت بمجموعة من التعاليم من أهمها:
السلطات الأمنية في سورية قامت منذ عام 2000 وحتى الآن بحجب أكثر من 160 موقعاً إلكترونياً من بين المواقع الـ160 التي حجبت هناك "35 موقعاً للأكراد و28 موقعاً سياسياً لأحزاب المعارضة السورية و25 موقعاً إعلامياً بينها عدد من المواقع الخاصة بصحف لبنانية، و13 موقعاً لأحزاب إسلامية، وخمسة مواقع لمنظمات مجتمع مدني تدافع عن حقوق الإنسان". ويرى مازن درويش رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير أن حجب هذه المواقع الإلكترونية يأتي في سياق سياسة منهجية للرقابة على الإعلام بشكل عام ومحاولة ضبط شبكة الإنترنت من جهة ثانية. ومن الجدير بالذكر أن السلطات الأمنية السورية تقوم بحجب الموقع الإلكتروني المستهدف من دون استدعاء صاحب هذا الموقع، وهو ما يشير إلى احتمال كبير أن النظام فقد أعصابه فصار يشك في كل شيء حتى بالقوانين التي أصدرها بنفسه، وليس من المستبعد وضع أنظمة أمنية لمراقبة التصوير عبر الموبايل كما هو النظام الأمني الذي يتخصص بمراقبة الحديث أثناء الموبايل عن طريق جهاز خاص يلتقط الكلمات ذات المعنى السياسي والمخزنة مسبقاً في جهاز التنصت، فعندما يتفوه المتصل بكلمات من مثل (نظام، بعث، أسد، رئيس، انقلاب، معارضة،حقوق الإنسان، دكتاتورية...) وغيرها من الكلمات المرادفة فإن الجهاز يقوم تلقائياً بحفظ المكالمة كاملة ومن ثم يقوم موظفون أمنيون متخصصون بإعادة سماع المكالمة كاملة ومعرفة ما إذا كانت مقصودة أم لا. ولعل كل الخطوات الأمنية التي قامت بها السلطات الأمنية في سورية فيما يتعلق بالنشر عبر الإنترنت أو متابعة الأخبار عبر القنوات المحظورة كل ذلك لم يجد نفعاً ولم يكبح جماح المتابعين للشأن السوري والمؤيدين لقنوات المعارضة الإلكترونية أو المشاركين في عملية فضح جرائم النظام الحاكم وفساده، ومن هنا كان لا بد من إجراءات أكثر صرامة، ولعل ذلك يفسر استدعاء السلطات الأمنية السورية عدداً كبيراً من متصفحي الإنترنت في سورية، وأكد عدد من الناشطين من مستخدمي الإنترنت أنه تم استدعاؤهم إلى الفروع الأمنية في دمشق، ومن الذين تم استدعاؤهم كتاباً على الإنترنت ومستخدمين ومصممي مواقع.
وربط يوسف بين الاستدعاءات الأمنية الأخيرة وتعميم الحكومة الأخير الذي أبلغته وزارة الاتصالات لأصحاب المواقع السورية بعدم نشر التعليقات إن لم تكن معروفة المصدر ومعروف اسم كاتب التعليق. واعتبر يوسف أنه أمر يدعو للاستغراب والتساؤل أن تتدخل وزارة الاتصالات في التضييق على حرية الكتابة في حين تبدو وزارتا الثقافة والإعلام غير معنيتين. وأكد أنه في ظل ثورة الاتصالات التي امتدت إلى سورية فمن المستحيل إعادة العجلات إلى الوراء، وأشار الناشط السوري إلى أنه إذا كانت هناك ثمة مخالفات في النشر فيجب معالجتها عبر القانون والمحاكم العادية. إذاً.. القانون والمحاكم العادية؟!! هل يمكن للسلطات الأمنية أن تلجأ إلى القانون في سبيل كبح جماح قناة إعلامية ما تهدد وجودها؟ وكيف يمكن لدولة الطوارئ أن تحترم القانون؟!... تشير التجارب إلى أن القمع هي الوسيلة الأنجع والتي تلجأ إليها السلطات الأمنية لمنع الإعلام الخاص، ولكن هناك بعض الحالات التي تخرج عن السيطرة كما حصل مع مسلسل بقعة ضوء الذي سلط أضواءه على الفروع الأمنية بشكل مهين وساخر لم تحتمله السلطات الأمنية، وفي الوقت نفسه لم يكن بإمكانها التحرك لفعل أي شيء طالما أنها تجهل العدو الحقيقي، هل هو المخرج أم المنتج أم الكاتب أم الفنان باسم ياخور الذي أدى دور رجل أمن؟! أم أن عليها اعتقال الجميع لتسيء إلى سمعة الدراما السورية وتفتح على نفسها باب الجحيم؟!! لذا لم يكن بوسعها إلا أن تطلب عن طريق الأمن الجنائي من وزير الإعلام مصادرة الحلقة المسيئة وكأنها مشابهة للصور المسيئة إلى الرسول، وقاموا بتضخيم القضية بشكل قانوني ورسمي لإعطاء صورة حضارية عن الأجهزة الأمنية سيئة الصيت. وقال مصدر مسؤول في إدارة الأمن الجنائي، إنه تم إعداد مذكرة سيتم رفعها إلى السيد وزير الداخلية لإثارة موضوع تناول بقعة ضوء لعمل الأمن الجنائي بطريقة غير لائقة وذلك لإثارة الموضوع في مجلس الوزراء.. كما تم إعداد مذكرة لرفعها إلى السيد وزير الإعلام من أجل التحقيق في موضوع الحلقة وإعلام وزارة الداخلية بنتائج التحقيق مع طلب مصادرة الشريط وإتلافه، وعدم بث أي حلقة جاهزة تمس الشرطة أو أي إدارة تابعة لوزارة الداخلية إلا بعد موافقة إدارة التوجيه المعنوي، على أن الانتقاد ليس ممنوعاً ولكن على أن لايصل إلى حدود السخرية. الأمر الآخر يتعلق بالبدء بإجراءات تحريك دعوى قضائية ضد القائمين على مسلسل بقعة ضوء (التلفزيون السوري) وتلفزيون (الدنيا) لعرضهما الحلقة بذلك الشكل المهين، مع الإشارة إلى أن الدعوى ستحرك عن طريق إدارة قضايا الدولة ويبدو أن إدارة الأمن الجنائي مصرة على محاكمة بقعة ضوء وبالقانون ومضمون الدعوى هو القدح والذم والتشهير بسمعة الأمن الجنائي. مع الإشارة إلى أن وزير الداخلية قد تحدث مع وزير الإعلام فعلاً في الموضوع... كما تحدث مسؤولون في الأمن الجنائي مع مسؤولي التلفزيون السوري..؟! إذاً، هناك خطوط حمر لا يمكن تجاوزها، والأمر لا يتعلق بقوة الدراما أو بالتنفيس كما كان الحال بالنسبة لمسلسل مرايا الذي ملّ المشاهدون من مشاهدته لاستمراره في طريقة نقده المملة والمغبرة، على عكس مسلسل بقعة الضوء الذي يتناول المشاكل بشكل درامي جارح في أغلب الأوقات، وإذا جرى فعلاً مقاضاة المسلسل فستكون هذه أول خطوة من نوعها في سوريا، وجرت العادة في هذه الحالات أن يتدخل الأمن مباشرة دون اللجوء إلى القضاء. والسؤال المطروح هو لماذا هذا الهجوم على حلقة بقعة ضوء المذكورة رغم أنها عرضت على الرقابة قبل عرضها وأخذت الموافقة على العرض؟! ولعل في قضية مشابهة إيقاف جريدة الدومري الشهيرة للفنان الكاريكاتيري السوري علي فرزات بسبب تعرض الجريدة لمواضيع حساسة مست النظام، ومنذ أربعة أعوام، فرضت قوانين صارمة منظّمة للعملية الإعلامية في سورية، وسمح بموجبها بحظر نوع من المنشورات واعتقال الصحفيين. وقد وعدت الحكومة مؤخراً بإصلاح مثل هذه القوانين لإتاحة المزيد من الحرية للصحافة، ولكن هل يحدث ذلك حقاً؟ عندما كتب إبراهيم حميدي مقالة أحرجت السلطات عام 2003 اعتقل ووضع في الحبس الانفرادي لمدة خمسة أشهر. واتهم بكتابة "معلومات كاذبة" عن استعدادات خاصة باستقبال لاجئين عراقيين في سورية، وقد نشر المقال في وقت حساس كانت الحكومة السورية تعلن مراراً معارضتها للحرب التي كانت الولايات المتحدة بصدد شنها على العراق وأنها لا تستعد بأي شكل لقبول مثل هذا الاحتمال. كذلك من الجدير بالذكر استخدام الأجهزة الأمنية للإعلام الرسمي السوري لشن هجمات إعلامية عديدة على أعدائها الراهنين وللرد على أي هجوم إعلامي من الخارج، ولعل أبرز الهجمات تلك التي شنتها الأجهزة الأمنية السورية على المملكة العربية السعودية بعد الخلافات الأخيرة التي شكل لبنان محورها الأساسي، وإذا ما تم تجاوز حملات إعلامية استهدفت رموز المملكة وتراثها وبعض أنماطها الثقافية وتصدرت واجهات بعض المواقع الإلكترونية التابعة مباشرة لجماعات تدور في فلك النظام السوري، يمكن للمتابع أن يرصد ثلاث محطات رئيسة شكلت خريطة طريق للإعلام الأمني الذي وجهت عبره السلطة السورية حملة منظمة ضد السعودية على إيقاع أجندة سياسية محكمة تتمحور حول الملف اللبناني. اكتملت المحطة الأولى مع اغتيال رفيق الحريري الذي أدى إلى تصلّب سعودي في التعاطي مع الأداء والوجود العسكري السوري في لبنان، فكان الرد من النظام السوري بضخ إعلامي أمني وضع في البداية علامات استفهام حول هوية بعض الموقوفين المشتبه فيهم في جريمة اغتيال الحريري، ثم عاد ليؤكد أن غالبيتهم من التابعية السعودية محاولاً نقل التهمة من اشتباه في سعوديين تكفيريين إلى إدانة للسعودية! علماً أن المفارز الإعلامية نفسها حاولت الإيحاء في المضابط الإعلامية ذاتها بأن السوريين المشتبه فيهم والذي ينتمي بعضهم إلى أجهزة الأمن في سوريا هم مجموعة من الخارجين عن وطنيتهم، وأن أحدهم كان مختلاً عقلياً وهو من رتبة ضابط صف في جهاز المخابرات السوري. أما المحطة الثانية فكانت مع التمسك السعودي بإنجاز المحكمة ودعمها، حيث جاء رد المفارز الإعلامية السورية وتوابعها بتنسيق حملة منظمة سلطت الأضواء على بعض السعوديين التكفيريين الذين ينتقل معظهم عبر سوريا للقتال في العراق وفق اعتراف مسؤوليين سوريين، كما تم تكبير حجم مشاركة مقاتلين سعوديين في معارك مخيم نهر البارد شمال لبنان، وانتظمت الحملة على إيقاع التأكيد بأن السعودية تتحمل مسؤولية عن سلوك هؤلاء التكفيريين الذين يناصبون المملكة وحكامها العداء! وضربت «المفارز الإعلامية» صفحاً عن استخدام الأراضي السورية في عمليات التزود اللوجستي وفي العبور إلى العراق ولبنان، وتم تجاوز السوريين الذين يقاتلون في العراق وفي نهر البارد تماماً كما تم تجاوز قضية شاكر العبسي الذي غادر السجون السورية إلى شمال لبنان، لكن هذه التجاوزات طرحت جانباً سؤالاً بالغ الأهمية إذ كيف تقوم هذه الجماعات التكفيرية المحتشدة من كل أقطار العالمين العربي والإسلامي بالعبور إلى لبنان والعراق ذهاباً وإياباً عبر سوريا ـ التي شكلت بالنسبة لها محطة تذخير لقتال الجيش الأميركي في العراق والجيش اللبناني الوطني في لبنان من دون أن تضرب أو تغمز أي من هذه الجماعات من قناة النظام العلماني السوري ولو على قاعدة رفع العتب؟ المحطة الثالثة تمثّلت في إصرار السعودية على ربط المصالحة العربية مع النظام السوري بحل القضية اللبنانية، الأمر الذي حفز «المفارز الإعلامية» على الشروع في حملة متجددة لاحت نذرها ولم تتبلور فصولها بعد، ولكن حبكتها الأساسية تدور حول اغتيال عماد مغنية ومع أن الاغتيال حصل داخل حي كفرسوسة قلب دمشق، حيث تنتشر المفارز الأمنية وعلى مقربة من مكتب اللواء آصف شوكت وهو العمود الفقري لجهاز الأمن السوري، إلا أن التحقيق استقر بحسب المعلومات التي تسربت من بعض «المفارز الإعلامية» على كاهل ثلاثة مواطنين سعوديين تلبسوا وفق الراوي جنسية عربية أخرى ونفذوا الاغتيال المريب في توقيته ومكانه وفي حجم الهدف ومكانته الأمنية والسياسية، وإذا حلا للبعض أن يتجاهل الواقع الأمني المحيط بمسرح الجريمة الذي زالت معالمه قبل أن يجف دم مغنية، وإذا رأى أحدهم أن لا مسوغ لربط اتهام سعوديين باغتيال مغنية بالوعيد السوري للسعودية الذي سربته بعض «مفارز الإعلام» قبل القمة مهددة المملكة بمرحلة مواجهة غير مسبوقة بعد القمة، وإذا كان يحق لأحد أن يعرض عن كل ما سبق من ملابسات حول قضية مغنية والتورط المزعوم لمواطنين سعوديين، فإن أحداً لا يمكنه أن يقبل بسذاجة مطلقة أن يقوم ثلاثة سعوديين باعتمار قبعة الإخفاء ودخول سورية بجوازات مزورة، ثم الاستعانة بالعين السحرية لكشف وجه ومكان الرجل اللغز واستخدام فانوس علاء الدين للوصول إلى ذاك المربع الأمني وتنفيذ الجريمة. بعد اكتمال المشهد الذي تسعى «مفارز الإعلام» إلى إظهاره، لا بد من الإشارة إلى زاوية بالغة الأهمية، وهي إن الإعلام الموجه والمفبرك يصلح في غسل عقول الجماهير المقموعة داخل جدران بلدانها، لأن الخيارات البديلة غير متوفرة، وإن وجدت فهي غير قابلة للترجمة العملية أو النظرية، لكنه إعلام قاصر عن غسل العقول مطلقاً، والأهم أنه يلعب بروزنامة ذاكرة الناس لكنه لا يتمكن من إلغائها، ويستطيع أن يزيف الوقائع لفترة من الزمن إلا أنه يعجز عن تغيّيرها أو طمسها... فبينما كان الصحّاف يؤكد أن العلوج يتساقطون على أسوار بغداد كانت بغداد تسقط، ليسقط معها الصحّاف ونظامه و«مهازله الإعلامية». مما سبق، يمكن القول إنه بالإمكان اختراق النظام الأمني الإعلامي السوري وكشف بعض الحقائق بطرق آمنة وسرية، ولا بد لنا في هذا الإطار من عدم الاستهانة بجهاز الموبايل المحمول لأنه يشكل طريقة سريعة وعصرية في أخذ الصورة دون أن يلفت الانتباه، وهو وسيلة إعلامية مناسبة نوعاً ما للظروف الأمنية في سورية، ويمكن أن يلعب هذه الأداة دوراً مهماً في ظل الانكشاف الفضائي وأنظمة الرصد المتطورة. كما أن الطريقة الأمثل لنقل الخبر من سورية في الظروف الأمنية الصعبة هو الاعتماد على من يسمون بــ (المواطنين الصحفيين) إذ بإمكانهم نقل الخبر والتقاط الصور من موقع الجريمة دون لفت الانتباه، ولعله كلما كثرت أعداد المواطنين الصحفيين كلما شكل ذلك إحراجاً للنظام وخلخلة في أساليبه وكشفت الثغرات في منظومة الحماية لديه. |