حكاية عائلة معوقة من بلادي- ج1
Monday, 01 December 2008

g.jpg
خاص ثروة

 

استهلالية: سبق أن اقترح مدير مشروع "ثروة" الأستاذ عمار عبد الحميد، تسليط الضوء على المعوقين بشكل عام، والمعوقين السوريين بشكل خاص، باعتبار أنهم يشكلون جزءاً من المجتمع. وهم مصدر غنى في تنوع مجتمعنا الذي لا تقف حدود تنوعه عند حد الاختلاف الديني أو الطائفي والمذهبي والإثني.

وسواء أكانت نسبة المعوقين مرتفعة في مجتمعاتنا أم متدنية، إلا أن حقهم علينا الحديث عنهم وعن أوضاعهم، وهذا واجبنا، وما نفعله هو أضعف الإيمان. أدناه قصة عائلة معظم أفرادها معوقين، نسردها على ثلاث حلقات. ويبقى الأمل معقوداً أن يقوم بعض الزملاء بتناول هذا الموضوع من جوانب أخرى.


عندما تزوج السيد محمد الغاوي، من ابنة عمته صفية التي تكبره بثلاثة أعوام، منذ أكثر من خمسين عاماً، لم يكن يعرف شيئاً عن عدم تحبيذ العلماء والأطباء لزواج الأقارب من بعضهم بعضاً، وذلك حفاظاً على سلامة الأبناء من الإصابة بأمراض قد لا تكون نتائجها محمودة العواقب. فكيف ستكون الحال عندما ندرك أن محمد الغاوي يكون بالنسبة لزوجته –عدا عن كونها ابنة لعمته، هي كذلك ابنة لخاله! بمعنى أن والديهما تزوجا زواج مقايضة، فكانا محمد الغاوي وصفية أبناء عمات وأبناء أخوال بعضهما في الوقت ذاته.

منذ أكثر من نصف قرن، عندما تم ذلك الزواج في إحدى قرى الجبال الساحلية، كانت ظروف الجهل وتفشي الأمية والأمراض المجتمعية المعروفة والدارجة في ذيّاك الحين، هي سيدة الموقف سنتذاك! ولئن كان الأمر كذلك، بيد أن الثمن كان باهظاً، وقد سدد فاتورته كل من محمد الغاوي وزوجته صفية من صحة أبنائهما الذين وُلد معظمهم معوقاً يعاني من مرض الكساح في يديه ورجليه.

الابن الوحيد الذي سلم لهما من الإصابة بإعاقة ولادية هو ولدهما علي، غير أن الزمن كان له بالمرصاد، إذ لم يلبث الوقت طويلاً حتى مسّه نوع من الجنون، وهذا ما سيكون موضوع حلقتنا عن هذه العائلة في ما هو آت، على أن نسلّط الضوء على اثنين منها في حلقتين قادمتين.

عندما بلغ علي الثامنة عشرة، ولم يفلح في نيل شهادة الثالث الثانوي الأدبي، وقد كان ذلك مطلع ثمانينات القرن الماضي، شجّعه محيطه على التطوع في سرايا الدفاع، التي كان يقودها رفعت الأسد، وقد كانت تلك السرايا، والمنخرطون فيها، يعيشون عصرهم "الذهبي". وهذا ما كان فعلاً.

لم يكد قد مضى على علي في تلك السرايا، قرابة الشهرين، حتى أُتي به إلى قريته، وهو فاقد لعقله، وعندما استفسر أهله عن السبب في ذلك، علموا أنه كان قد استحم ذات يوم قارص، وخرج في البرد، فأصيب بـ"صفقة هواء" كما يسمونها بالعامية، وعلى أثرها فقد ذاكرته نسبياً وخرج من القطعة التي يخدم فيها، وعندما عاد إلى ثكنته بعد عدة أيام، وعوضاً عن أن يقوم المعنيون بمعالجته، وضعوه في سجن الثكنة وأوسعوه ضرباً إلى أن فقد ما تبقى له من عقله!

كان هذا الكلام مطلع ثمانينات القرن الماضي، ومنذ ذلك التاريخ، وحتى عام 2002، وأهل علي يأخذونه بين الفترة والأخرى إلى مشفى ابن سينا الكائن في عدرا في ريف دمشق والخاص بالأمراض العصبية. ومن الجدير القول هنا إن علي خرج من الخدمة من دون أي تعويض مادي، وبهذا المعنى فقد أصبح عالة على محيطه العائلي والاجتماعي!

في السنتين الأولتين لعلاج أهله له في المشفى، وجرّاء أميتهم واستفحال جهلهم، اعتقدوا أنهم إذا ما زوجوه سيطيب مما هو به! وفعلاً وجدوا له فتاة أمية وفقيرة ومن منبت طبقي وثقافي مشابه لهم، وقد كانت الفتاة من أقاصي الجبال الساحلية. تزوجته الفتاة من دون أن تعرف بمرضه، ومن دون أن يتطرق أهله مع أهلها إلى هذا الجانب مطلقاً.

صعوبات كثيرة، ومشاكل جمة، رافقت وعايشت رحلة تلك الفتاة القادمة من أقاصي الجرد، مع زوجها علي، خاصة عندما علمت بمرضه! فقد كانت تأتيه حالات "هستيرية" أقرب إلى الجنون شبه المطلق، خاصة في فترة تغيّر فصول السنة، وأحياناً مع اكتمال دورة القمر الشهرية، وكانت تترجم تلك الحالات في خناقات متواصلة مع الأهل والمحيط، وخروج من المنزل في أية لحظة ومن دون مبرر، ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاء.

كان موضوع اكتشاف المرض بالنسبة لتلك الفتاة صدمة حقيقية، لكن ما باليد حيلة، وقد أصبح في أحشائها جنين لم تعد تدري ماذا تفعل به أو بنفسها!

في ما يخصّ الفتاة، تكيّفت مع واقعها الجديد، وكابرت على جراحها وآلامها وفقرها، وأكملت معه مشوار الحياة، وأصبحت تشتغل في بيوت الناس "خدّامة" كي تؤمن لقمة عيشها وثمن دواء زوجها الذي كان يساعدها فيه أهل علي.

في الفترات التي كان يبدو علي فيها إنساناً طبيعياً وسوياً، كان يذهب يوم الجمعة إلى مزارات "الأولياء" التي تكثر في منطقته، حاملاً معه دفتر أوراق يانصيب، ليبيع ما يتيسّر له من تلك الأوراق من جهة، وليجد هناك من ضمن الزوار من يتصدّق عليه ببعض المال؛ وكذلك كان يترقب قدوم المغتربين من أهالي بلدته كي يهرع إليهم مهنئاً بالسلامة وطالباً منهم ما تجود به نفوسهم. وفي فورة "جنونه" يكون في ابن سينا في عدرا.

لم تكن مأساة علي كائنة في مرضه فحسب، بل كائنة قبل كل شيء في محيطه العائلي الذي لم يعرف كيفية استيعابه ولم يجد طريقة لائقة بغية التعامل معه. فوالده (الذي ناهز السبعين من عمره) أميّ بكل ما تحويه الكلمة من معنى، وكذلك كانت والدته، وطبيعة عمل والده "جزّار"، وقد انعكست قساوة تلك المهنة وطبيعتها في طريقة تعامل الأب مع الابن المريض، مضافاً لكل ما سبق الجهل أيضاً، ما كان من شأنه أن ضاعف من معاناة الابن.

بين بدايات الثمانينات، وتحديداً عام 1983 وعام 2002، لم يكن علي مجرد أب لأربعة أبناء فحسب، بل كذلك غدا جداً، إذ زوّج ابنته الكبرى منذ قرابة الخمس سنوات، وهي بدورها صار لديها ثلاثة أطفال!

طبعاً أياً من أبناء علي(وهم شابان وابنتان) لم يكمل دراسته ولم يحز على الشهادة الإعدادية، فولداه يعملان في الأعمال الحرة الآن، لكنهما لم يرثا شيئاً من مرض والدهما، وهما أصحاء بدنياً وكذلك شقيقتاهما. لكن الأهم من كل ذلك، هو كيف بات علي إنساناً شبه معافى وسط عائلة تصدر الجهل والتخلّف إلى أربع رياح الأرض!؟

قبل الإجابة على السؤال آنف الذكر، لا بأس أن نورد هنا شهادة أحد جيران تلك العائلة، إذ يقول ياسر، وهو مهندس جار لتلك العائلة: "إن علي، وهو الولد الوحيد المولود لمحمد الغاوي وصفية ولادة سليمة، لما كانت حاله بهذا الشكل المزري لو وجد من يحضنه ويرعاه كما ينبغي"، ويضيف ياسر: "إن علي يملك لمحات من الذكاء قلّ أن تجدها في أي شخص سوي، فما بالك بمن نعتقد أنه مجنون؟". وعندما طلبنا منه تأكيد رأيه، روى لنا الحادثة التالية: "ذات مرة، وقد كان علي ينوس بين حالة العافية وحالة النوبة (يطلقون على حالة الهستريا التي تأتيه نوبة)، طلب منه مدرّس شاب من قريتنا متعالم ويحب التظاهر، أن يقلع عن التدخين. وقد كان علي يدخّن سجائر من نوع إيبلا، على أن يعطيه 100 ليرة سورية. وقد كان في علبة سجائر علي ثلاث لفافات تبغ فقط، فوافق علي مباشرة على شرط المدرّس، وتأكيداً لذلك قام بإتلاف علبة سجائره الفارغة عملياً أمام المدرّس وأخذ المائة ليرة، ومن بعدها توجّه مباشرة إلى الدكان واشترى علبة سجائر من نوع لوكي سترايك وبالمتبقي اشترى فروجاً لصغاره(كان سعر كيلو الفروج 30 ليرة سورية، ولوكي سترايك 25 ليرة سورية)". وهنا يعقّب ياسر متسائلاً: "ترى من المجنون أو المريض: هل هو علي فعلاً أم المدرّس الذي شارطه وأعطاه المائة ليرة وفقاً لذلك الشرط؟".

شخص آخر من القرية ذاتها، أكد لنا أن آخر عهد لعلي مع مشفى ابن سينا كان في عام 2002، وقد أتى منها هرباً، ومن بعدها لم يعد إليها مطلقاً، وهو الذي كان من زوارها كل عام مرة أو اثنتين ولفترات قد تدوم أشهرا أحياناً.

ويضيف ذلك الشخص، أن وضع علي بات الآن مقبولاً ومعقولاً جداً مقارنة بذي قبل، خاصة من بعد أن وجد مصدراً ثابتاً للدخل. وعندما استفسرنا منه عن ذلك المصدر، أجاب: "ببساطة، يدور علي مطلع كل شهر على منازل القرية، ولا يوجد في أي منزل أقل من موظّف أو اثنين، ويأخذ من كل موظّف خمسين ليرة، وبهذا يخرج في نهاية اليوم من بعد أن ينهي طوافه على موظفي قريته وفي جيبه مرتب موظّف، وفي أيام الأعطال والجمع يأخذ نصيبه من القاطنين في المدينة عندما يأتون القرية. ولا يجعل جنازة أو صدقة تعتب عليه، فهو صاحب واجب! ومن الطبيعي أن أصحاب الصدقات يتصدقون عليه كذلك".

يفيدنا المصدر ذاته، بأن علي ينفق ما يجنيه من موظفي قريته وسواهم على دوائه الذي يواظب على أخذه باستمرار، وكذلك على تأمين حاجيات المنزل، إذ يساعد زوجته في هذا المنحى، وكذلك يحسب حساب سجائره (يدخّن في اليوم الواحد ثلاث علب سجائر).

عندما كنّا نتمشى أمام منزل علي غير المسوّر، لفت انتباهنا وجود عجوز يبدو أنها تناهز الثمانين من عمرها، وعندما سألنا مرافقنا عنها، قال لنا: "هذه حماة علي، وهي مصابة بالعمى، وتعيش عند ابنتها وصهرها. وليس هذا فقط، بل كانت شقيقة زوجته تقيم هي الأخرى عنده، وقد دبر لها عريساً من القرية المجاورة، وعزم وجهاء القرية ليقرأوا فاتحتها. وأحياناً كثيرة تأتي ابنته المتزوجة مع أطفالها الثلاثة وزوجها الذي يعمل سائق سرفيس ويقيمون عنده أسبوعاً كاملاً، فتصوروا أن هذا المجنون يقوم بما يعجز عنه العقلاء؟".

يبدو منزل علي صغيراً، فهو لا يتعدى عن ثلاث غرف صغيرة، مبنية بشكل شبه عشوائي، وتستغرب كيف له أن يتسّع لكل من ذكرهم مرافقي!

وبينما كان مرافقي ينعت –بيني وبينه- علي بـ"المجنون"، كنت اتأمل علي وهو يشرب المتة أمام منزله، وقد بدا لي أنه قارب الخمسين من عمره. وبصوت مبحوح كان ينادي شقيقه الأصغر منه والكسيح كي يشاركه المتة، لكن لم يكن يبدو عليه الجنون قطعاً، لا سيّما بعد أن دعانا لمشاركته شرب المتة بعد أن رآنا.





Digg!Reddit!Del.icio.us!Facebook!Slashdot!Netscape!Technorati!StumbleUpon!Newsvine!Furl!Yahoo!Ma.gnolia!Free social bookmarking plugins and extensions for Joomla! websites!